باكستان.. درس آخر

ما حدث في باكستان مؤخرا يبرهن مرة أخرى على تدخل الولايات المتحدة الأمريكية الواضح في الشؤون الداخلية للدول حول العالم، وأن السياسيين الأمريكيين ما زالوا يصرون أن ما يعتقدونه صوابا هو صواب، وما يعتقدونه خطأ هو خطأ، تجسيدا لمقولة الرئيس الأمريكي الأسبق جورج دبليو بوش بعد أحداث سبتمبر: «من ليس معنا فهو ضدنا».

فبعد اندلاع الحرب الروسية على أوكرانيا صرح رئيس وزراء باكستان عمران خان أن بلاده «ليست عبدا» للأوروبيين، وذلك بعد مطالبة الاتحاد الأوروبي إسلام أباد بإدانة العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، وأعلن عن تلقيه رسالة تهديد من واشنطن، قائلا: «هددت أمريكا بإسقاط حكومتي لأنني رفضت إقامة قواعد عسكرية لها في أرضنا».

بعدها اتهم عمران خان صراحة الولايات المتحدة بالوقوف خلف محاولة عزله وطلب من أنصاره حماية الوطن، وقال إن تصويت برلمان بلاده على حجب الثقة عنه ناتج تدخل أمريكي صارخ في السياسة الداخلية الباكستانية، وأكد رفضه الاستقالة من منصبه، متهما واشنطن بدعم المعارضة. وشدد على أن سياسة باكستان الخارجية يجب أن تكون مستقلة ولا تصطف ضد أحد. وإذا نجحت محاولات المعارضة، فإن الأجيال المقبلة لن تسامح.

لكن بالمقابل، كان لافتا موقف قائد الجيش الباكستاني المحابي والمتماهي مع الولايات المتحدة، عندما قال إنه من الصعوبة التغاضي عن عدوان روسيا على دولة أصغر، على الرغم من مخاوفها الأمنية المشروعة، لكن بعد فشل البرلمان في سحب الثقة عن حكومة عمران خان، عاد الجيش الباكستاني ليؤكد أنه ليس منخرطا في السياسة، ومن المقرر الآن إجراء انتخابات جديدة لتمكين الحكومة الجديدة من التعامل مع المشاكل الاقتصادية والسياسية والخارجية التي تواجهها البلاد، في وقت تشهد باكستان أوضاعا متردية من الفساد وغلاء المعيشة، وهذا ما أدى إلى انخفاض شعبية عمران خان.

لقد كنت آمل أن تكون الولايات المتحدة قد تعلمت الدرس من فشلها في تدخلها في دول كثيرة، من بينها دول عربية وإسلامية مثل العراق وأفغانستان، سواء أكان ذلك عبر حروبها العسكرية أو الاقتصادية التي تشنها بالدولار، مع العلم أنها ليست هي مصدر قوته، بل إن العالم يعطيها هذه القوة لتعود وتستخدمها ضده.

كم أنا آسف لرؤية أمريكا، هذا البلد العظيم الذي تعلمت مناهجه ودرست فيه، لا زال الساسة فيه يصرون على إحداث الخراب في مناطق واسعة من العالم، وكأن عقلية الكاوبوي الأمريكي لا زالت تسيطر عليهم، فلقد قال وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر صراحة إنه ليس من مصلحة واشنطن حل أي نزاع في العالم، بل التدخل وإدارة هذا النزاع وفقا لمصالحها.

قد تستطيع أمريكا أن تسقط عمران خان وأن تعبث بأمن هذا البلد أو ذاك، خاصة أن لديها أذرعًا طويلة ومراكز أبحاث ومخابرات قوية وقوة عسكرية تغطي كوكب الأرض، ولكن ماذا بعد الخراب الذي تسميه «فوضى خلاقة»؟ ماذا بعد إسقاط الأنظمة واندلاع الحروب الأهلية؟ ألا يكفي العالم مزيدا من الدول الفاشلة التي باتت مرتعا للدمار والخراب والإرهاب وتصدير المخدرات؟ وهل تعتقد أمريكا أن موقعها الجغرافي البعيد سيظل قادرا على حمايتها من شرر الفتن والحروب التي تشعلها؟

ما زال ماثلا في الأذهان الدرس الأفغاني لأمريكا، فقبل نحو 20 عاما أسقط تحالف عسكري دولي، تقوده واشنطن، حكم حركة «طالبان» في أفغانستان، واعتبرت واشنطن حينها غزو أفغانستان جزءا من «الحرب على الإرهاب»، وتعهدت بشن حرب سريعة وحاسمة ضد «طالبان»، لكنها تحولت إلى صراع دموي طويل الأمد امتد لقرابة عقدين واستنزف الولايات المتحدة ذاتها ماليا وعسكريا، وماذا الآن؟ عادت طالبان للحكم وأعادت إدخال البلاد في ظلام التشدد والإرهاب.

وحتى منتصف أغسطس الماضي، كان خالد بايندا وزيرا للمالية في أفغانستان يشرف على ميزانية تقدر بـ6 مليارات دولار، إلا أن أحواله سرعان ما انقلبت رأسا على عقب منذ فراره من البلاد، عقب سيطرة حركة طالبان على البلاد، والتقطت عدسات الكاميرات الوزير السابق خلف مقود سيارة متواضعة تابعة لشركة التاكسي «أوبر» في الولايات المتحدة، بحسب ما نقلت صحيفة «واشنطن بوست». وهذه يجب أن تكون رسالة أيضا لمن يعتقد أنه يمكن أن تحمله دبابة أبرامز أمريكية إلى سدة الحكم في بلاده، لأن واشنطن أثبتت على الدوام أن لا حلفاء لها، وهي زعيمة قاعدة «لا أخلاق في السياسة».

حتى أن صدام حسين كان مطمئنا لأمريكا عندما تلقى إشارات منها بعدم معارضتها غزوه للكويت، لكنها عادت وانقلبت عليه ولم تترك العراق إلا كما هو حاله اليوم، لا يسر صديق ولا حتى عدو.

بل إنني أذهب لحد القول إن التدخل الأمريكي في أوكرانيا هو من جلب الحرب والدمار عليها، لأن روسيا لن تقبل أبدا أن تكون صواريخ حلف الناتو على حدودها مها كلف الأمر، تماما كما لم تقبل أمريكا نشر الصواريخ الروسية في كوبا في ستينات القرن الماضي، وهذا هو جوهر الحرب الحالية، أما الحديث عن النازيين الأوكرانيين الجدد والمقابر الجماعية فما هو إلا تفاصيل أو ذرائع.

لن يقبل الرئيس الروسي بوتين أن يتراجع عن حربه في أوكرانيا دون تحقيق أهدافه، وبالمقابل لن يسمح له الغرب بالانتصار خوفا من أن يزيد هذا من أطماعه في دول سوفيتية سابقة وإحياء أمجاد روسيا العظمى، فيما تواصل الولايات المتحدة صب الزيت على النار عن طريق تزويد أوكرانيا بالسلاح والمعلومات المخابراتية والدعم اللوجستي، وجميع الأطراف حاليا تتألم، لكنها تكابر.

أمريكا دولة عظمى، والجميع يقر بذلك عدا زعماء شعبويين مثل صدام حسين ومعمر القذافي، فلا طاقة لأحد بعدائها، لكن صداقتها تكون أحيانا عبئا ثقيلا بسبب تبدل آراء وأهواء البيت الأبيض، وهناك من ذهب إلى حد القول «المتغطي في أمريكا بردان».

ندرك نحن الشعوب أن القوة الوحيدة والأكيدة لنا هي من الداخل، من ولائنا والتزمنا وتكاتفنا، وأن بإمكاننا إدارة خلافاتنا بأنفسنا ولا نصل لحد التصادم، وندرك أيضا أن لا أحد يستطيع دخول بيتنا إذا لم نفتح له الباب بأيدينا مهما كانت قوته. إننا فقط نريد العيش بسلام، لا نملي شروطنا وأسلوب عيشنا على أحد، ولا أن نسمح لأحد بأن يملي علينا شروطه وأسلوب عيشه. 

بواسطة akmiknas

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s