ابن الست وابن الجارية

كشفت حرب أوكرانيا عن صور بشعة للإنسانية، حيث شهد العالم بأجمعه أن اللاجئين الأوكرانيين الفارين من العمليات القتالية في بلادهم يستقبلون بحفاوة لا مثيل لها على الحدود البولندية بشكل رئيسي، وفي دول أوروبية أخرى ينتقلون إليها، يجدون الزهور والأطعمة والغذاء على طول الطريق، يعتريهم بعض القلق على بلادهم وأقاربهم لكن لا ينقص ذلك من أناقتهم، كما يحصل أطفالهم على اهتمام بالغ ورعاية ربما لم ينعموا بها من قبل.

 هذا الأمر مطلوب بالطبع، فالإنسان يجب أن يقف إلى جوار أخيه الإنسان، يساعده في محنته ويخفف عنه، لكن من المعيب والمخجل مقارنة صور اللاجئين الأوكرانيين بصور أقرانهم من اللاجئين السوريين أو اليمنيين أو النيجيريين أو البورميين مثلاً، وكأنهم عديمو القيمة، أو بشر درجة ثانية، ليس لديهم عوائل وعواطف واحتياجات، ولا يشعرون بطعم الذل والإهانة.

واستحضر هنا بشكل خاص اللاجئين الأفغان المساكين الذين هرعوا إلى المطار حفاة بعد سقوط بلادهم بيد طالبان، وصعدوا على أجنحة الطائرات الحربية الأمريكية المغادرة من شدة الخوف فسقطوا وماتوا، أما القلة القليلة منهم والتي كانت مقربة من الإدارة الأمريكية والجيش الأمريكي فقد حظيت بفرصة افتراش الأرض داخل الطائرة، لكن انتهى بها المطاف مشردة في شوارع المدن الأمريكية.

كان العالم يتفرج عليهم عبر شاشات التلفاز وكأنهم كائنات فضائية، لا عقل لديهم ولا قدرة على التدربير، رغم أنهم بشر، حالهم حال أي بني آدم آخر على ظهر هذا الكوكب، لكن حظاً عاثراً قاد أمهاتهم لولادتهم في جبال أفغانستان وكهوفها وقفاري قراها، وليس في مستشفيات ألمانيا أو النمسا أو الدنمارك، فنشأوا في بيئة ضحلة فقيرة، ضربت جماعة متشددة خرجت منها برجي التجارة العالميين في منهاتن بنيويورك فقرر ساسة واشنطن حينها معاقبة بلادهم واحتلالها، وسادت حرب طاحنة كثير منهم لا ناقة له فيها ولا جمل.

الانسان بشكل عام يرتبط بأرضه، بمسقط رأسه والحي الذي نشأ فيه، بأهله وزملائه، ولا يميل إلى الغربة أو الهجرة إلا إذا دفعت ظروف معيشية أو مادية قاهرة، حتى أن هناك لبنانيين ظلوا متمسكين في منازلهم في بيروت لم يغادروها رغم الخطر الذي يهدد حياتهم كل يوم على مدى الحرب الأهلية التي استمرت 15 عاما، كذلك يتشبث جزءا كبيرا من الفلسطينيين بأرضهم، والسوريين وغيرهم، لكن ماذا نتوقع من شخص جرى قصف بيته وتدمير مصادر رزقه وأسباب حياته كلها؟ من الطبيعي أن يفكر باللجوء، فإذا كان عربياً أو شرق أوسطيا سيكون كالمستجير من الرمضاء بالنار مع الأسف.

الأوكراني أصبح مكان النفس في كل بلد هاجر إليها، والسوري المسكين لا زال منذ عشر سنوات منبوذاً في مخيمات اللجوء في لبنان والأردن وتركيا، أو تحت شجر الزيتون شمالي بلاده ينتظر أن تتكرم عليه مفوضية الأمم المتحدة للاجئين بخيمة تقيه حر الصيف وبرد الشتاء.

غياب العدالة في ظاهرة اللجوء الأوكرانية يظهر أيضا في عملية اللجوء نفسها، فاللاجئ الأوكراني لا يحتاج سوى أن يبدي «طلته البهية» من شعر أشقر وعيون ملونة ليعبر الحدود مباشرة، أما اللاجئين من المقيمين في أوكرانيا فيتعرضون للمشقة والإذلال، وسمعنا شهادات من كثير منهم، وبعضهم عرب، أنهم يضطرون للانتظار لساعات وربما لأيام قبل أن يتمكنوا من عبور الحدود نحو دول الجوار، إن تمكنوا من ذلك بالفعل، وأن الأولوية تعطى دائما للاجئين الأوكرانيين.

فإضافة إلى أخبار القصف والمعارك، تداولت وسائل الإعلام مقاطع فيديو وتقارير تقارير إعلامية وصحفية غربية وعربية، ورسوم كاريكاتيرية نقلت شكاوى عرب منهم مغاربة وأفارقة من «عنصرية وتمييز» يواجهونها خلال العبور من حدود أوكرانيا لدول مجاورة لها، والعديد من الطلبة تعرضوا إلى التمييز العنصري والمنع من ركوب المواصلات باتجاه الحدود.

لقد قال رئيس وزراء بلغاريا، كيريل بيتكوف، صراحة في تصريح متلفز صراحة إن «الأوكرانيين ليسوا من اللاجئين الذين اعتدنا عليهم، سنرحب بهم، هؤلاء أوروبيون أذكياء ومتعلمون، ولا يملكون ماضياً، كأن يكونوا إرهابيين»، أما شارلي داغاتا، موفد شبكة «سي بي إس» الأمريكية لأوكرانيا، قال الجمعة، بمداخلة إخبارية: «هذه (أوكرانيا) مدينة حضارية وأوروبية نسبيا وليست مكانًا مثل العراق أو أفغانستان»، قبل أن يعتذر لاحقا.

رأينا التمييز على صعيد الرياضة أيضا، فعلى خلفية التدخل الروسي في أوكرانيا، أعلن الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) ونظيره الأوروبي (يويفا) استبعاد منتخب روسيا وأنديتها من البطولات الدولية، لكن لم تخرج دعوات مشابهة وقت استهداف روسيا للسوريين المدنيين في 2018، بل إن موسكو كانت تستضيف كأس العالم آنذاك.

لا بد هنا من انتقاد ازدواجية المعايير والتصريحات العنصرية العلنية التي تثير الاشمئزاز، فالوضع مأساوي جدا للاجئين من أوكرانيا، لكنه أيضا كذلك بالنسبة للاجئين من سوريا وأفغانستان ودول أخرى، فاين العرف الإنساني وحقوق الإنسان وأين أطباء بلا حدود وأين المنظمات الدولية وأين الدول الغربية التي تقول دائما إنها تحمل وتحمي لواء حقوق الإنسان؟ أم الإنسان الذي يقصدونه له مواصفات خاصة وليس الإنسان بشكل عام؟

طالما أخبرونا أن الحضارة الغربية تدور حول الفرد ذاته، وتسعى الدساتير و الديمقراطيات المتقدمة لتوفير الحماية له ضد أي تغول من اي سلطة كانت، والثورة الفرنسية نفسها قامت حول هذه الفكرة التي تبناها الآباء المؤسسون في الولايات المتحدة بعد ذلك، وواضع الأسس الفكرية للثورة الفرنسية الفيلسوف وعالم الاجتماع جان جاك روسو يؤكد في مقدمة كتابه «العقد الاجتماعي» أن «الإنسان ولد حرا»، وقد سبقه إلى ذلك سيدنا عمر الخطاب رضي الله عنه بأكثر من ألف عام عندما قال «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا».

في الواقع ليست هذه المرة الأولى التي نرى فيها العالم الغربي يكيل بمكيالين، وبما إن منطق القوة يغلب قوة المنطق، دعونا نضم صوتنا لصوت سمو الشيخ محمد بن راشد عندما كتب مؤخرا على تويتر «العالم يمر بمتغيرات كبيرة وموازين جديدة وتحالفات صعبة.. لن تكون الغلبة في النهاية إلا للأمم القوية الغنية المتقدمة.. ألم يحن للعرب أن يتقاربوا ويتعاونوا ويتفقوا حتى يكون لهم وزن ورأي ومكانة في التاريخ الجديد الذي يُصنع الآن؟»، اعتقد شخصيا نعم، حان الوقت، فالعرب أصحاب حضارة وضمائر حية يضعون الاعتبارات الإنسانية في مقدمة أولوياتهم دون تمييز. 

بواسطة akmiknas

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s