القيادات الصالحة تصنع المستحيلات

أعتقد أن المهم في من يملي رؤيته وإرادته على الناس أن يكون صالحًا مستنيرًا ينشد النهضة والتطور لوطنه ويحب شعبه والناس أجمعين، وهذا بحمد الله حال قياداتنا في الخليج العربي، وأخص بالذكر حضرة صاحب الجلالة الملك المفدى، وسمو ولي العهد رئيس الوزراء الموقر، وولي العهد السعودي الأمير محمد سلمان، الرجل الشجاع المتحمس والناجح في بناء السعودية الجديدة.

وكم نحن فخورون برؤية مدن الخليج العربي تتطور وتنمو لتضاهي الدول المتقدمة مثل سنغافورة والصين، ولتصبح مثالاً يحتذى في التنمية. طبعا لن ننسى ما قام به قادة دول مجلس التعاون الخليجي سابقًا من جهود وأعمال وانجازات، لكن الوقائع الراهنة تتطلب طرقا جديدة في التعامل، خاصة وأن عامل الوقت أصبح حاسما، فنحن نعيش اليوم في ظروف تحتم علينا أن نكون أسرع من الساعة، ومستعدون دائما للتنفذ، وأن تتجنب قدر المستطاع الكلام والمهاترات عديمة الجدوى.

البحرين اختارت دخول عصر الحداثة والتطور من أوسع أبوابه، فاستحل جلالة الملك المفدى مشروعه الإصلاحي من خلال إطلاق ميثاق العمل الوطني الذي نحتفل اليوم بذكراه الـ21، هذا الميثاق الذي بنى الإنسان، ومهد لحياة ديمقراطية تشاركية من خلال مؤسسات دستورية، وكذلك فعلت الإمارات والسعودية في مراحل لاحقة.

بالمقابل نرى في المنطقة دولا كثيرة تقوقع قادتها وتبنى سياسات بغيضة دون أن يعطي للإنسان أي اهتمام، فأركبوا شعوبهم قطار المستقبل لكنهم وصلوا بهم إلى الماضي، وحتى عندما ظهرت رؤى نهضة حقيقية في دولة مثل لبنان على يد الراحل رفيق الحريري، أقدمت قوى الظلام والشر على الإجهاز عليها، وأحكمت قبضتها على مناخ الحرية والديمقراطية في لبنان، وإعادة البلد إلى عصور ما قبل الحضارة.

أما المملكة العربية السعودية فدائمًا هي سند الأمة العربية والإسلامية، تمد يد العون لأشقائها في البحرين ومصر ولبنان وإندونيسيا والفلبين وغيرها من أصقاع الأرض، دون أن تحاول فرض أي نوع من الهيمنة السياسية أو العقيدة على تلك الدول كما تفعل عادة الدول المانحة. واتسمت السعودية بالكرم اللامحدود في منح المساعدات للدول والأفراد. كما أن التحديات الجيوسياسية الخارجية لم توقف أو تعليق عجلة التطور في السعودية: مدن ضخمة ومناطق صناعية ومشاريع كبرى تنشأ من العدم، وكل ذلك يحدث بنشاط ودقة، وهذا ما يجعلني أشبه المملكة العربية السعودية في كثير من الأحيان بخلية النحل.

لدينا أمثلة لدول لا تقل مواردها النفطية كثيرا عن موارد المملكة العربية السعودية، من بينها نيجيريا التي تمزقها النعرات الداخلية والاضطرابات والفتن والهجمات التي تطال آبار البترول والمصافي، وهناك يسود الفقر وانعدام الأمن رغم الموارد النفطية الهائلة، ولدينا أيضا فنزويلا، الدولة التي يحكمها نظام اشتراكي بأفكار اقتصادية متخلفة ويستمد قوته من خلال معاداة ما يسميه «الإمبريالية الأمريكية»، هذه الدولة النفطية العظيمة عجزت عن دفع رواتب موظفيها بعد شهر أو شهرين من هبوط أسعار النفط!

هناك من ينشئ ويدعم منظمات مشبوهة ومرتزقة مأجورين لاستخدامهم في تأجيج الصراعات ونشر الفوضى والبؤس، وهو يعتقد أن مثل هذا السلوك غير المقبول وغير القانوني يجعله أكثر قوة، ويعجز عن فهم حقيقة التزام وانضباط المملكة العربية السعودية، ويترجم هذا الانضباط على أنه ضعف وتردد.

ولقد تسنّت لي فرصة معايشة تحول المملكة العربية السعودية إلى قوة عالمية، لكن هذا التحول لم ترافقه مظاهر الغطرسة ونوايا فرض الهيمنة التي تلازم صعود القوى الكبرى عادة، وبقيت السعودية مثالاً نادرًا على الدولة التي تملك القوة العظمى والنفوذ العالمي، وتحترم الدول الأخرى وتحظى باحترام دولي في المقابل، خاصة وأنها اختطت لنفسها نمط حياة مميز وآمن تركن إليه جميع مكونات الدولة من قيادة وشعب ومؤسسات، ولكن دون أن تسعى لفرض هذا النمط على الآخرين.

كثيرًا ما نستسلم للوقائع ونقول إن الأمر سيستغرق أجيالاً من أجل إحداث تغييرات في الممارسات التي تتسامح مع الرشوة والفساد وعدم الكفاءة في العالم العربي، لكن الأمير محمد بن سلمان أثبت لنا جميعًا أننا مخطئون من خلال إثباته أن تلك الممارسات يمكن أن تتوقف تقريبًا بين عشية وضحاها إذا كانت الإرادة السياسية موجودة، وعندما يكون الدعم الوطني لهذه التغييرات قويًا جدًا، ولقد برهنت القيادة السعودية أنها جادة بشكل مطلق في إحداث التغيير، وتمكنت من ترجمة النوايا إلى أفعال وممارسات تحقق نتائج طيبة بعيدة المدى على المملكة والمنطقة ككل، ونتمنى لهم جميعا مواصلة النجاح في هذه المساعي الحميدة.

في الشأن الاقتصادي التنموي، أعتقد أنه يجب النظر إلى النهضة السعودية المتسارعة على أنها فرصة كبيرة بالنسبة للبحرين، لأنه مع توسع القطاع الخاص السعودي بشكل كبير سيصبح أكثر شفافية وكفاءة، وسينحى القطاع الخاص البحريني هذا المنحى، وسيتم خلق نمط متبادل المنفعة من الازدهار المتزايد لاقتصاديات دول مجلس التعاون الخليجي، كما أن زيادة الانفتاح لدى مزيد من شرائح المجتمع السعودي ستعني بالضرورة زيادة حجم الاستهلاك وتسريع الدورة الاقتصادية لدى السعودية وجيرانها.

لكن يجب القول إن هذه التغييرات الاقتصادية التي تجري على مرمى حجر منا، في المملكة العربية السعودية الشقيقة، تحمل معها تحديا لنا أيضا هنا كرجال أعمال وكحكومة في البحرين، ويتوجب علينا أن نسأل أنفسنا: إلى أي حد سنبقى قادرين على جذب 11 مليون سائح سعودي سنويا في ظل تركيز الحكومة السعودية على السياحة الداخلية وتوفير وجهات ترفيهية لمواطنيها؟، وإلى أي وقت سنستفيد من ميزة «الانفتاح الثقافي» للمجتمع البحريني في ظل توجه المجتمع السعودي لمزيد من الانفتاح؟

لقد قال الأمير محمد بن سلمان خلال زيارته الأخيرة للبحرين: «إن دول الجوار مهمة لنهضة المملكة، ولا بد من العمل مع جيراننا للتأكد من أن وضعهم مميز مثل السعودية، خصوصًا الأقرب على قلوبنا البحرين»، وهذا يدل على أن القائد إن أحب شعبه أحب جيرانهم وساعدهم، فكم صعب علي أن أعيش في منزلي برفاهية بينما جاري يواجه تحديات جمة، ولن أتمكن من النوم بهناء حتى أطمأن أن جاري هانئ آمن مستقر في داره أيضًا.

بواسطة akmiknas

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s