شعرة معاوية

الوساطة الكويتية بتفويض خليجي مع لبنان دليل على اهتمام دول الخليج العربي وفي مقدمتها السعودية على عودة لبنان إلى محيطه العروبي وعدم قطع شعرة معاوية معه، ونحن متفائلون بهذه المبادرة الخليجية، ونرى أن الكرة الآن في ملعب السياسيين اللبنانيين ومدى مهارتهم في استثمار هذه المبادرة في تدفئة العلاقات مع الأشقاء في الخليج واستثمار ذلك في إنقاذ لبنان من هاويته التي تزداد عمقا يوما بعد يوم.

وفي زحمة الأخبار والتصريحات والمواقف والمواقف المضادة، لا يجب أن ننسى أن ما يشهده لبنان حاليا من انهيار سياسي واقتصادي وثقافي وحضاري ليس وليد الساعة، وليس نتاج الحرب الأهلية أو اتفاق الطائف أو اغتيال الحريري، وإنما نتاج قيام ما سميت زورا وبهتانا بـ«الثورة الإسلامية» في إيران، فمنذ ذلك التاريخ وحتى اليوم دخلت المنطقة في أتون نزاعات وصراعات لا زالت فصولها تتوالى حتى اليوم، أولا في العراق من خلال الحرب العراقية الإيرانية، ثم التغلغل الإيراني بشكل مباشر في أربع دول عربية هي العراق واليمن وسوريا ولبنان، وبشكل غير مباشر في كثير من الدول الأخرى من بينها البحرين.

أعتقد جازما أن من خطط وسهل استيلاء الخميني على الحكم في إيران هو عدو العرب المسلمين سنة وشيعة، أراد استخدام إيران كعنصر مزعزع للاستقرار في المنطقة، وإضعاف وتفكيك استقرار البلدان العربية وزعزعة انتمائها العربي، والاستفراد بالدول النفطية الغنية، أما مسألة سيطرة رجل دين طاعن في السن على السلطة في دولة مثل إيران عن طريق الخطب الموزعة بـ«الكاسيت» فهذا خيال وقصة دراماتيكية خارجة عن الفهم والتصديق، ولو بحثنا في واقع الأمر لوجدنا أن أجهزة مخابرات غربية، أمريكية وإسرائيلية وفرنسية، كانت تخطط وترسم وتنفذ من خلف الكواليس، وما ملالي إيران في ذلك الوقت إلا ممثلين على مسرح الأحداث. واليوم أصبح جليا التعاون الوثيق بين المتطرفين الإسلاميين السنة ممثلين في داعش وغيرها والشيعة ممثلين في الميليشيات الطائفية التي تنشط خاصة في العراق وسويا وغيرها.

حينها استطاع الذئب «الغرب» أن يفترس الشاه «إيران» بدهاء، فتقارب معه أولا، حتى حظي بثقته وتسلم منه مفاتيح التحكم بالسلطة بما فيها جهاز المخابرات الإيراني «سافاك»، ثم استخدمه وبعد ذلك استبعده، وكانت هذه خطوة على طريق إضعاف الدول العربية خاصة الغنية بالنفط، والضغط عليها والتأثير على قرارتها، بما في ذلك مواقفها تجاه القضية الفلسطينية.

الدول العربية لم تكن مستعدة في ذلك الوقت لا معنويا ولا ماديا، أما إسرائيل فكانت تحصل على تعاطف كبير من معظم الدول، ليس الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي وبريطانيا وفرنسا فقط، بل حتى دول مثل الصين واليابان، وقدمت إسرائيل نفسها للعالم -ولا زالت- على أنها واحة الديمقراطية في الشرق الأوسط، وعملت على ضمان تفوقها العسكري والعلمي والتكنولوجي بمساعدة العالم أجمعه تقريبا، فأصبحت من بين الدول الأقوى عسكريا على مستوى العالم على أصعدة كثيرة وليس بالقنبلة النووية فقط. وحتى عندما امتلكت إسرائيل القنبلة النووية فعلت ذلك بدهاء وبغض طرف من قبل الغرب، وهي بالمناسبة قنبلة لا أحد يستطيع التمكن من استخدامها، خاصة الدول المارقة مثل إيران وكوريا الشمالية، لأن أي استخدام للقوة النووية سيؤدي إلى دمار العالم بما فيه الدولة التي استخدمت هذه القنبلة.

أكتب جميع تلك المقدمات والأفكار بهدف التأكيد على ضرورة وضع ما آلت إليه الأمور الآن في لبنان في سياقه التاريخي والجغرافي، وتأكيدا على أن لبنان ضحية صراعات كبرى طرفاها الأساسيان إيران وإسرائيل، وطالما دفع لبنان من دم أبنائه ثمن هذه الصراعات، حتى أن شرارة الحرب الأهلية في العام 1975 انطلقت من هجوم مسلح على قافلة عناصر فلسطينيين في بيروت، فكان الرد والرد على الرد حتى اشتعل لبنان بأكمله.

ولقد ساعدنا جميعا مع الأسف بإنتاج الطقم الحاكم في لبنان اليوم، شئنا أم أبينا، وهو ما أدى إلى فتح الباب أمام إيران للتسلل إلى لبنان، فالبلد القوي المتماسك المتمسك بقيادته الموحدة وبجيشه وأمنه وأرضه وبناء مستقبله المزدهر مثل البحرين لن تجدي معه محاولات التدخل الإيرانية نفعا، لكن دولا بائسة فاشلة مثل لبنان والعراق واليمن وسوريا شرعت حدودها أمام من هب ودب، وتغلغلت فيها إيران من خلال الفاسدين ومن خلال الميليشيات واستمالة الحكام الذين اتضح فيما بعد خيانتهم لأوطانهم ولأنفسهم بعد أن راهنوا على الحصان الخاسر «إيران».

والحقيقة يا سادة أنه ليس من مستعمر يفضل عرقا آخر على عرقه أو دينا على دينه؛ قد يهادن وقد يتلون حسب مصلحته، وقد يستخدم شعارات براقة مثل الأخوة والصداقة والمصالح المشتركة والدفاع عن الطائفة وتحرير الأرض وغيرها وربما إرسال الأموال والجنود والمرتزقة، لكنه في نهاية المطاف لن يقبل أن يستقوي عليه من استبعدهم، وسيحول حكام وشعوب الدول التي يتدخل فيها إلى خدم وعبيد عنده.

بارك الله هذه الخطوة الخليجية تجاه لبنان، فالقطيعة مع لبنان ليست هي الحل، وإنما الحل الرهان على قوى العروبة والتقدم فيه، بما فيها حزب المستقبل، وشخصيات وطنية مثل رئيس الوزراء نجيب ميقاتي. وبالمناسبة، أنا أعرف هذا الرجل منذ كنا فتية ندرس معا في المدرسة الدولية في بيروت، ثم انتقلنا معا إلى الجامعية الأمريكية هناك، وحاله حال كثير من رجالات لبنان الذين كان بإمكانهم التنعم بما لديهم من أموال ورغد عيش، لكنهم أصروا ولا زالوا على خوض معترك السياسية رغم ما تحمله من أتعاب ومخاطر، حتى لا يتركوا الساحة فارغة أمام أولئك الطائفيين الساعين إلى نزع لبنان من حضنه العربي وتحويله إلى محمية إيرانية.

لا أحد يعتقد أن المذكرة الخليجية التي نقلها وزير الخارجية الكويتي إلى المسؤولين اللبنانيين عصا سحرية لاستعادة العلاقات بين دول الخليج ولبنان كما كانت أيام الرئيس الشهيد رفيق الحريري مثلا، لكنها خطوة مهمة على طريق طويل يتطلب منا نحن العرب العمل على إزالة الكثير من الأشواك والألغام التي سيزرعها البعض فيه، وأشكر دول الخليج على قيادتها لهذه المبادرة، وحرصها على عدم قطع شعر معاوية مع لبنان، وحرصها على علاج السرطان الذي استشرى في جسمه والحيلولة دون قتله.

بواسطة akmiknas

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s