عربي ثم عربي ثم عربي

اليوم عيد، عيد لنا نحن العرب الناطقين بالضاد، عيد لغتنا الجميلة، ولن أتجاهل أبدًا الاحتفاء بعيد هذه اللغة التي تشغل كل عقلي وقلبي، فرغم أني أتحدث الإنكليزية والفرنسية منذ صغري، إلا أنني لا أفكر إلا بالعربية، وأنا مؤمن بأن اللغة العربية هي أساس عروبتي التي أعتز بها، والتي لولاها لكنت أقل شأنًا وقوة مما أنا عليه الآن.

وفي 18 ديسمبر، اليوم العالمي للغة العربية، أجدد تأكيدي أنه رغم كل المآسي التي حدثت في عالمنا العربي قديمًا وحديثًا، ورغم كل المناحرات والصدامات وحتى الاشتباكات، إلا أنني ما زلت أؤمن أنه بإمكاننا أن نجتمع ونتحد ونتقدم كعرب اعتمادًا على كثير من الروابط التي تجمعنا، بما فيها التاريخ والمصير المشترك والدين والثقافة، والأهم من كل ذلك: اللغة العربية، فقومية كل عربي تنبع من اللغة العربية.

وعندما مرت أمتنا العربية بفترات ضعف وانحطاط كبيرة وطويلة تبدلت الكثير من الأمور لكن اللغة العربية بقيت كالنار تحت الرماد، ما أن انقشعت الغمة حتى عادت من جديد، ولم يتمكن المستعمرون عبر التاريخ: لا الاتراك ولا الانكليز ولا الفرنسيين وغيرهم، من الإجهاز عليها أو طمس معالمها، ويمكن لبلد ما أن ينهب ثرواتنا أو يسرق آثارنا وحتى يدمر مدننا، لكنه لن يستطيع أبدًا أن يسرق منا لغتنا.

واسمحوا لي أن أعتبر اللغة العربية أهم لغة في العالم، فلغة الضاد يا سادة من أكثر اللغات قيمة، فهي لغة القرآن الكريم، ولا تصح الصلاة إلا بها، وستبقى خالدة محفوظة ما بقي دين الإسلام، كما استطاعت أن تحتوي العلوم والفلسفة وتضيف عليها وتنقلها إلى لغات أخرى، وفيها أعظم الصور الشعرية وأبيات الحب والغزل، وكانت على الدوام سلسلة مطيعة سمحت للجميع التعبير عن أنفسهم وعن أفكارهم واختراعاتهم.

الأديب والمفكر جبران خليل جبران هو أحد الأمثلة على جمالية وموسوعية اللغة العربية، فرغم اتقانه الكامل للغة الإنكليزية إلا أن أنه اختار العربية لكتابة أروع مؤلفاته، والتي حقق بها شهرته العالمية، وأنا استغرب بالفعل ابتعاد عدد من المثقفين العرب المقيمين في أوروبا عن لغتهم العربية وتوجههم للحديث والكتابة بلغة البلدان التي يقيمون بها، وحالهم هنا حال الطائر الذي أراد أن يقلد مشية البطريق، فلم يتمكن رغم محاولاته الحثيثة، والأنكى من ذلك أنه نسي مشيته الأصلية.

بالمقابل تزدهر مدارس اللغة العربية في كثير من مدن أوروبا وأمريكا وحتى كندا وروسيا وغيرها، فالعربية لم تعد لغة خاصة بالعرب وحدهم، بل أضحت لغة عالمية يطلبها ملايين المسلمين في العالم اليوم لارتباطها بدينهم و ثقافتهم الإسلامية، كما أننا نشهد رغبة في تعلم اللغة من غير المسلمين للتواصل مع أهل اللغة من جانب و للتواصل مع التراث العربي و الإسلامي من جهة أخرى، واسمحوا لي أن أوجه هنا دعوة صادقة نحو الاستثمار في تعليم اللغة العربية بناءً على قواعد علمية احترافية، كما هو الحال مع اللغة الإنكليزية التي تملك امتحانات معترف بها عالميًا مثل التوفل والآيلس، والمسؤولية هنا مناطة بالجامعات ومجمعات اللغة العربية أكثر من غيرهم.

لقد استطاعت اللغة العربية أن تستوعب الحضارات المختلفة التي مرت على هذه المنطقة من العالم، بما فيها الإغريقية واليونانية والرومانية والفارسية، وهضمها، وإعادة انتاجها وتقديمها للعالم، ولقد كان فتح العرب للأندلس وحركة الترجمة التي نشطت على مدى قرون قناة لنقل علوم الشرق للغرب، ولنا في مفكرين مثل ابن رشد مثالًا على ذلك، حيث تتجلى أهمية العربية في أنها المفتاح إلى الثقافة الإسلامية و العربية، ذلك أنها تتيح لمتعلمها الاطلاع على كم حضاري وفكري لأمّة تربّعت على عرش الدنيا عدّة قرون وخلفت إرثًا حضاريًا ضخما في مختلف الفنون وشتى العلوم.

ولقد جرت ترجمة أعمال لا تقدر بثمن من الفلسفة والعلوم والطب اليوناني في مكتبات القسطنطينية إلى اللغة العربية، ما أدى إلى إنتاج مدارس جديدة للتعلم، والتي انتقلت بدورها عبر الأندلس وإيطاليا إلى الترجمات اللاتينية، لتولد تيارات فكرية أوروبية جديدة من خلال جامعات ناشئة في كامبريدج وباريس وغيرها.

ذكرت سابقًا أنه في معظم الفترات خلال القرون الـ14 الفائتة، كانت كل من إيران وتركيا ومنطقة الخليج العربي جزءًا لا يتجزأ من الحضارة الإسلامية الواحدة، سواء تحت حكم الخلفاء الراشدين أو الأمويين أو العباسيين، أو مجموعة متنوعة من العائلات، وفي معظم الأوقات كانت تلك العائلات مزيجًا من أصول عربية وتركية وفارسية، ويتم التحدث بالعربية والفارسية والتركية بالتبادل في مراكز السلطة، واختلطت أعمال العلم والأدب والشعر والنقاش الفلسفي واللاهوتي والسياسي بين تلك الألسنة الإسلامية، وكانت اللغة التركية العثمانية محملة للغاية بالمفردات العربية والتعابير الفارسية لدرجة أنه كان من الصعب تمييزها كلغة قائمة بذاتها، وكانت تكتب بالحرف العربي، وبالمثل، هيمنت مفردات اللغة العربية على اللغة الفارسية، كما هو الحال في اللغات الإقليمية الأخرى مثل الأردية والكردية والأوزبكية وحتى السواحيلية، وهذا دليل على حقيقة أن هذه المناطق النائية من أفريقيا إلى شرق آسيا كانت كلها جزءًا من حضارة إسلامية واحدة، لغتها الثابتة بموجب كتابها السماوي هي العربية.

وعندما يتعلق الأمر بالفلاسفة والعلماء المسلمين مثل ابن سينا، فإن كلاً من العرب والفرس يقولون إنه ملك لهم، وفي الواقع أن كثيرًا من هذه الشخصيات العظيمة كان دم عربي وفارسي وتركي يجري في عروقها، وتحدثت تلك اللغات بالتبادل، ومن المنطقي بالنسبة لنا الآن أن نفكر في التمييز العربي الإيراني الثنائي، لكن في الأجيال السابقة لم تكن هذه الأسئلة منطقية.

لقد أنزل الله تعالى القرآن الكريم، آخر الكتب السماوية، باللغة العربية، على النبي العربي الكريم آخر الأنبياء المرسلين، كما أن الخلفاء الراشدين كانوا جميعهم عربًا بمن فيهم علي بن ابي طالب كرم الله وجهه، لذلك فإن العداء التركي والفارسي للتراث العربي يمثل كراهية لجزء لا يتجزأ من عقيدتهم الدينية، وهذه مفارقة غريبة.

لا خوف على لغتنا الجميلة التي بها نفخر ونعتز، لكن يجب ألا نتقاعس عن استخدام هذه اللغة وتطويرهشا، فهي ستبقى الحامل الفكري والثقافي والقومي لنا جميعا كعرب، والوعاء المرن القادر على استيعاب حضارتنا وتقدمنا.

بواسطة akmiknas

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s