أبعاد حوار المنامة

تابعت باهتمام مجمل ما دار في «حوار المنامة» هذا العام من نقاشات وحوارات وتصريحات، وما نتج عنه من توصيات، وهو ما عزز اعتقادي بأن هذا الحدث الإقليمي يمثل منذ انطلاقته في العام 2004 أحد أهم القمم الدبلوماسية والأمنية العالمية السنوية، ويعكس أيضا الدور الريادي لمملكة البحرين بقيادة جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة عاهل البلاد في تعزيز الحوار والتفاهم المشترك بين الأمم والثقافات والحضارات والحرص على تسوية الصراعات والتوترات بالطرق الدبلوماسية، والإسهام في ترسيخ السلام والأمن الإقليمي والعالمي.

واعتقد أن «حوار المنامة» اكتسب هذا العام أهمية كبيرة لانعقاده وسط تحديات أمنية ودفاعية وسياسية واقتصادية واستراتيجية انعكست بدورها على طبيعة القضايا المطروحة على جدول أعماله، بما في ذلك سياسة الدفاع الأمريكية في الشرق الأوسط، والخليج وآسيا، والدبلوماسية والردع، وتعددية الأطراف والأمن الإقليمي في إطار متحول، وإنهاء الصراعات في المنطقة، وديناميكيات الأمن في البحر الأحمر، والمليشيات والصواريخ وانتشار الأسلحة النووية.

الصراعات والمنافسات في المنطقة معروفة جيدًا للجميع، فمن ليبيا إلى سوريا والعراق واليمن تعاني المنطقة من نار الفتن والمشاكل التي تشعلها بعض الدول الإقليمية بالمنطقة، ولكن النهج المهيمن لحل هذه الصراعات قد يتغير، لذلك كان المنتدى فرصة مناسبة لاستعراض تعددية الأطراف وما تعنيه بالنسبة للمصالح والنفوذ والقيم في الشرق الأوسط، خاصة وأنه انعقد تحت شعار «تعددية الشرق الأوسط».

واستمعت إلى وزير الدفاع الأمريكي لويد اوستن يكرر مواقف بلاده التي تطالب إيران بوقف ممارستها المزعزعة لاستقرار المنطقة، والتوقف عن تهديداتها لأمن الطاقة وحركة الملاحة البحرية، ورعايتها ودعمها للإرهاب والمليشيات المسلحة، ووضع حد لبرنامج الصواريخ الباليستية، وإخلاء منطقة الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل، ولم أطمئن كثيرا لهذا الحديث، خاصة وأن المنطقة اكتوت بنار الاتفاق الهزيل الذي وقعته إدارة أوباما مع إيران بشكل فاجئ الجميع بما فيه أقرب حلفائها بالمنطقة.

ذلك رغم أن المبعوث الأمريكي إلى إيران روبرت مالي أكد خلال المؤتمر ذاته أن بلاده لن تنسحب من الشرق الأوسط إطلاقا، وحذر من أن استمرار إيران في هذه الوتيرة من التقدم الذي تحققه في تخصيب اليورانيوم سيكون من المستحيل حتى لو كنا سنعود إلى خطة العمل الشاملة المشتركة استعادة المكاسب التي حققها اتفاق إدارة أوباما معها، والذي مزقه ترمب في العام 2018.

وفكرت أنه إزاء هذه التصريحات الأمريكية المكررة، والمتناقضة أحيانا، يجب على الدول الأوروبية أن تزيد من اهتمامها وأنشطتها في منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا، بخاصة أن إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن في المقابل تركز أكثر على منطقة المحيط الهندي والهادي والصين، وهذا ما يجعلني أيضًا مؤيدًا للتصريحات التي أدلها بها رئيس الاستخبارات السعودية الأسبق، الأمير تركي الفيصل، عن ضرورة قيام السعودية بكل ما هو ضروري بما في ذلك الحصول المعرفة لتطوير قنبلة في سبيل الدفاع عن نفسها ضد احتمال إيران مسلحة نوويا.

أدرك تماما أنه من المؤسف أن أكون خليجيا ومسلما، وفي ذات الوقت أتطلع لشراكة أمنية مع الأمريكيين والأوربيين لوقاية نفسي من أطماع وشرور جاري الإيراني، واعتقد في الوقت ذاته أنه على إيران أن تعي ألا مستقبل لمشاريعها التوسعية والتدميرية في المنطقة، وأن إرضاء الله سبحانه وتعالى لا يكون بإثارة النعرات والفتن في لبنان واليمن وسوريا وغيرها وإرسال السلاح والأموال والمقاتلين خارج الحدود، بل من خلال برامج تنمية يشعر الإيرانيون قبل غيرهم بأن حياتهم ذات معنى، وليس موتهم.

وفي هذا السياق أؤكد أن منتدى حوار المنامة فرصة أمام دول العالم المتحضر من أجل تعزيز عملها المشترك في حماية أمن المنطقة وتعزيز القدرات الجماعية في مواجهة أي خطر محتمل، خاصة مع الأهمية البالغة للمنتدى والتي تظهر في حرص قادة الدبلوماسية والدفاع ومسؤولي الأمن من مختلف أنحاء العالم على المشاركة فيه، بما فيهم وزراء خارجية البحرين والسعودية ومصر والأردن والعراق وليبيا واليمن واليونان ووزير الدولة للشؤون الخارجية والتعاون الدولي بالإمارات، ووزراء الدفاع في الولايات المتحدة الأمريكية وأندونيسيا وماليزيا، ومستشاري الأمن القومي في العديد من الدول حول العالم.

وبالنسبة لي كرجل أعمال أهتم كثيرًا بما يطرحه السياسيون في «حوار المنامة» بشأن كل ما يخص المنطقة وما يحيط بها من مواضيع مهمة، حيث تعود نتاجات ما يطرح إيجابيًا أو سلبيًا على الاقتصاد بشكل عام، لذلك من المهم دراسة الأوضاع الجارية في الشرق الأوسط، خصوصاً في ظل الظروف التي تمر بها المنطقة في يومنا هذا، والأزمات المتواصلة وحالة عدم الاستقرار التي تشهدها الدول المحيطة مثل العراق وإيران وسوريا ولبنان والجزائر والتي لها تأثير مباشر على الاقتصاد.

وقد تحدثت مع العديد من رجال الأعمال أصدقائي ولمست تفاؤلهم بمخرجات هذا المنتدى، مع التأكيد على أهمية إضفاء المزيد من البعد الاقتصادي عليه، خاصة وأن الاستقرار والأمن والتنمية الاقتصادية مواضيع كلها مترابطة ببعضها البعض، لذلك يمكن أن يتضمن هذا المنتدى مزيدا من النقاشات الاقتصادية، دون أن نغفل أنه من الممكن الاستفادة من استضافة البحرين لـ300 شخصية دولية في هذا المنتدى من التعريف بالمزايا الاستثمارية التي تملكها.

لقد شكّل «حوار المنامة» مناسبة دولية سنوية تجدد من خلالها مملكة البحرين تأكيد نهجها الدبلوماسي واعتداله وتوازنه وانفتاحه، وما تتمتع به من ثقل أمني وسياسي في محيطها الإقليمي والعالمي، لا سيما مع رئاستها هذا العام للدورة الحالية لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، إضافة إلى دعم المملكة للاستقرار في المنطقة والتزامها بتحقيق السلام العادل والشامل في منطقة الشرق الأوسط بتوقيعها «إعلان مبادئ إبراهيم»، ومطالبتها إيران بوقف ممارستها المزعزعة لاستقرار المنطقة، ووضع حد لبرنامج الصواريخ الباليستية، وإخلاء منطقة الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل.

وأرى أن الجميع ينظر لمخرجات حوار المنامة بعين الاحترام والتقدير، حيث تؤثر الآراء والأفكار الدبلوماسية المطروحة على النهج الذي تتبعه الدول في المنطقة، وتعاملها مع التحديات الخطيرة التي تهدد أمنها واستقرارها وتعيق مسيرة تقدّمها ونموّها ومستقبل شعوبها.

بواسطة akmiknas

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s