في أعماق إكسبو

زرت معرض إكسبو مجددا خلال وجودي في دبي الأسبوع الماضي، وفي هذه الزيارة كان لدي الوقت الكافي والحماسة والهمة للتجول في معظم أرجاء المعرض وأجنحة الدول المشاركة ومشاهدة الفعاليات المصاحبة له، وخرجت بانطباع عام حول أن إكسبو دبي يعكس صورة العالم كما هي، فالدول المتقدمة بنت لنفسها أجنحة مميزة بهندستها المعمارية ومحتوياتها من ابتكارات واختراعات تعكس التقدم الذي تشهده هذه الدول، أما الدول غير المتقدمة فسجلت مشاركات أكثر ما يقال فيها أنها «تحصيل حاصل»، وكان تصميم أجنحتها تائها ومحتوياته خليط غير متجانس يعكس ماضيا ضائعا وحاضرا لا شيء فيه يدعو للفخر ومستقبل في علم الغيب.

أجنحة بعض الدول كانت شبه خاوية، فيما أجنحة دول أخرى اصطف خارجها طابور طويل من الزوار ينتظرون بالساعات دورهم للدخول، وفي الحقيقة لولا علاقاتي ومعارفي وتنفيذ شركاتنا في دبي لبعض المشاريع داخل إكسبو لما تمكنت من زيارة ما زرته من أجنحة خلال فترة قياسية نسبيا.

رأيت جناح مملكة البحرين قد سجل محاولة كبيرة من أجل التعبير عن حضارة رائدة وشعب خلاق وهندسة معمارية وكثافة عكست روح البحرين، ولا شك أن توافر المزيد من الإمكانات من شأنه أن ينهض أكثر بهذا الجناح، وتمكينه من أن يعكس كل ما في البحرين من مميزات، بما في ذلك تطلعاتها المستقبلية وقطاعاتها الواعدة مثل السياحة والطاقة والنقل وتقنية المعلومات والاتصالات، خاصة وأن لدينا تجارب متميزة في مجالات مثل التكنولوجيا المالية «فنتك»، وتوجهات نحو الاستدامة البيئية، وتوازن بين الجنسين، وغير ذلك من قصص النجاح.

ويجب أن أعترف أن ما فاق توقعاتي بالفعل هو جناح المملكة العربية السعودية، ثاني أكبر جناح في المعرض بعد جناح الإمارات، بتصميم مبتكر ومستدام، وحاصل على شهادة الريادة البلاتينية في تصميمات الطاقة والبيئة، حيث يعتمد بشكل كامل في تشغيله على الطاقة المتجددة، وتأثيرات كربونية صفرية، وفي كل زاوية منه مفاجأة باهرة، وتأكدت أن تطلعات التطور في السعودية لم تكن مجرد وعود بعد أن تحولت لخطط على أرض الواقع يجري تنفيذها.

الرائع في هذا الجناح أنه يستقبل زواره بثلاثة عشر لغة وعبر طاقم من الشباب والشابات السعوديين، الذين يتعاملون مع الزوار وفق قيم الضيافة السعودية العريقة، ويقدمون لهم الإرشاد فيما يتعلق بمحتوى الجناح وركائزه وأهدافه وأقسامه التي تتوزع على مسارات متعددة تشمل التراث والطبيعة والاقتصاد والتنمية والعلوم والتكنولوجيا، وغيرها من المسارات المرتبطة بنهضة المملكة ونموها تحت مظلة رؤية السعودية 2030.

لقد كنت قبل نحو أسبوعين في الرياض التي لم أزرها منذ بداية جائحة كورونا، وكم كنت متفاجئا ومسرورا من التطور الهائل الذي تشهده وهي في طريقها لتصبح أحد أجمل مدن العالم إن لم تكن أجملها، وشعرت بأن الناس هناك مليئة بالنشاط والحيوية والشغف وحب العمل والوطن، وقد شاركت في مؤتمر رأيت فيه الفتيات السعوديات بأناقتهن ورشاقتهن ورصانتهن وأخلاقهن العالية  منفتحات يتطلعن للمستقبل بنظرة كلها أمل وسعادة، وهذا ما أعتقد أنه يجسد بالفعل ديننا الحنيف. أدركت أن جميع السعوديين يعرفون أن أمامهم الكثير الكثير من العمل والإنجاز، وأنه جزء لا يتجزأ من رؤية بلدهم 2030.

وفي إكسبو كان جناح الإمارات العربية المتحدة من دون شك متميزا جدا، وربما يضطر الزائر للانتظار أكثر من ساعتين في صف طويل حتى يتمكن من الدخول بسبب ازدحام الناس على أبواب الجناح الذي كان مميزا في كل شيء، بما في ذلك جناح طيران الإمارات داخله، وعرض المشاريع العملاقة التي تنفذ أو ستنفذ في أبوظبي ودبي والتي تشعر معها وكأنك تنطلق من واقع ممتاز لمستقبل باهر.

أما جناح مصر ورغم أنني شعرت بأنه لم يبذخ عليه كثيرا لكنه جاء بصورة رائعة معبرا عن تاريخ وحضارة مصر وما تركته حضارتها من تأثير على الإنسانية بأجمعها، إضافة إلى الواقع الواعد في مصر حاليا، وأن هناك اتجاها واحدا، ورغبة هائلة في التقدم والاستمرار وبناء دولة حديثة.

ورأيت جناح بلدي الذي ولدت فيه، لبنان، وكأن كل مشاكل لبنان السياسية والاجتماعية والاقتصادية والطائفية قد انعكست فيه، هناك قابلت عدة أشخاص لبنانيين يحاولون إعطاء زوار إكسبو صورة حقيقة عن لبنان، البلد العروبي والمساهم الكبير في الحضارة والثقافة العربية والعالمية، ولكن إمكاناتهم كانت أقل من محدودة ولم يكن هناك من يتعاون معهم، وشعرت أن لبنان موجود فقط بالاسم، وليس كتعبير عن شخصيته وإرادته وإلى أين يريد أن يذهب.

ولم أستغرب طبعا أن تكون الأجنحة الأوروبية والأمريكية كلها مميزة تعبر عن تفوق وأمل ونجاح ومستقبل باهر، وجميعها لم يكن فيها حديث عن المسيح أو الإسلام أو اليهودية. فلقد أخذ الدين مكانه في قلب الإنسان وليس في حياته اليومية وأعماله.

ولقد سجل معرض إكسبو مشاركات خارج إطار الدول، بما في ذلك جناح المرأة الذي يحتفي بالمساهمات المهمة للنساء في منطقتنا وحول العالم، ولا شك أنني كعربي شعرت بفخر كبير بما يقدمه الجناح من معلومات حول مساهمة المرأة العربية في مسيرة الحضارة الإنسانية، وكم أعجبت بشعار هذا الجناح: «عندما تزدهر المرأة، تزدهر البشرية»، في رسالة تؤكد ضرورة العمل على سد فجوة المساواة بين الجنسين نهائيا، والحث على التعاون بين القطاعات العامة والخاصة من أجل هذا الهدف.

تمكن إكسبو بالفعل من تشكيل منصة عالمية لتبادل الأفكار الحديثة والحلول الرائدة للنهوض بالتنمية العالمية التي تمحورت عواملها بثلاث نقاط رئيسية هي خلق فرص وسبل جديدة لتحقيق النمو الاقتصادي، واستدامة مصادر الطاقة والمياه، وخلق أنظمة جديدة للنقل والخدمات اللوجستية، وربما من حسن الحظ أنه جرى تأجيل معرض إكسبو بسبب جائحة كورونا ليقام هذا العام بدلا عن العام الماضي، ويكون مناسبة للاحتفال بعودتنا لحياتنا الطبيعية وأعمالنا وتواصلنا وتفاعلنا مع بعضنا البعض كبشر، وأعتقد أن دبي في طريقها لتحقيق هدفها الطموح في استقطاب 25 مليون زائر يشكل الوافدون من خارج الإمارات 70% منهم.

بواسطة akmiknas

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s