من يعتقد نفسه

السخيف من يعتقد أنه إذا قتل شخصية ما فإنه سيقتل مستقبل بلد اتخذ قراراه الحاسم نحو الاستقلال وبناء دولة القانون والمؤسسات، الدولة المدنية التي تتساوى فيها الحقوق والواجبات، الدولة المتحررة من سيطرة الأفكار المتطرفة مهما كانت، فلقد جرَّب العراقيون ظلم البعث، ثم دموية داعش، وأخيرا بؤس الفصائل المتحالفة مع إيران، وقرروا أن يأخذوا زمام أمورهم بأنفسهم، وأن يبنوا دولتهم بعيدا عن كل ذلك.

لقد أتيحت الفرصة للعراق والعراقيين أن يحدثوا ديمقراطية صحيحة لم يفهمها كثير من أصحاب النفوذ والسياسيين الذين تعودوا على فرض سلطتهم بحكم الأمر الواقع لا باختيار الناس، فانتفض الشارع من خلال مظاهرات نددت بالفساد والفوضى والارتهان الخارجي، وقال الشباب الذين كانوا عماد تلك المظاهرات: نحن عراقيون، لسنا إيران ولسنا تركيا ولا حتى روسيا أو أمريكا، نحن عراقيون ويجب أن تكون خيرات ومقدرات بلدنا بيدنا نحن لا بيد سوانا.

ثم قال العراقيون كلمتهم في صناديق الانتخابات، وأسقطوا تحالف الفتح، الممثل السياسي للفصائل المسلحة، فما كان من هذا التحالف إلى الاحتكام إلى لغة الشارع ومحاصرة المنطقة الخضراء، وإطلاق سيل جارف من تهم التزوير بحق الكاظمي ومفوضية والانتخابات والأمم المتحدة.

هذا ديدن الجماعات المتطرفة جميعها، أنها تستغل الديمقراطية من اجل الوصول للسلطة، وأول ما تفعله بعد تمكنها هو إلغاء الديمقراطية ونشر الدكتاتورية، أما في حال لم تتمكن من الوصول إلى السلطة ديمقراطيا فتغلِّب العمل العسكري والعنف والمواجهات على العمل السياسي.

لكن القوات الأمنية العراقية كانت جاهزة للتصدي للميليشيات، ويبدو أن مصطفى الكاظمي رئيس الوزراء العراقي ربح جولة في هذا الصراع بعد محاولة اغتياله باستهداف منزله، ما يجعل الأمور تتجه نحو الهدوء مؤقتا، لكن قد تنفجر لاحقا إذا ما استطاع رئيس الوزراء توجيه الاتهام باستهدافه نحو طرف معين.

العراق بلد عربي، وعلى الجميع أن يفهم هذا، العراق لن يصبح فارسيا أو تركيا أو دون هوية مهما كانت الظروف، حتى أن العراقيين الذين لجؤوا إلى أوربا وأمريكا متمسكين بهويتهم العربية، حالهم حال معظم الجاليات العربية هناك، وأبناءهم وأبناء أبنائهم. كما أن المواطن العراقي سيبقى عراقيًا قبل أن يكون سنيًا أو شيعيًا أو أزيديًا…

استطاع بعض ساسة العراق فيما مضى تفصيل العملية الديمقراطية على مقاسهم، وعاثوا في البلاد فسادًا ونهبوا مليارات الدولارات من خيرات البلاد استثمروا جزءا منها في رشوة فاسدين مثلهم من أجل بقائهم في السلطة، وهكذا تشكلت طبقة حكم فاسدة أدخلت شعب العراق العظيم في جوع ومرض وأجبرت الكثيرين منهم على ترك البلاد إلى غير رجعة.

لقد شهد لبنان كما العراق سلسلة من الاغتيالات، كان أكبرها اغتيال الرئيس الراحل رفيق الحريري، هذا الاغتيال الذي نفذه حزب الله كما أثبتت محكمة العدل الدولية بعد تحقيق دام أكثر من عشر سنوات، أسفر عن وقوع لبنان في يد حزب الله، فقد كان اغتيالا لنهج الاعتدال والتنمية الذي قاده الحريري حينها، كان اغتيالًا لمنهج الحريرية، ومنع حزب الله أصحاب هذا المنهج من تولي زمام الأمور وإكمال ما بدأه الحريري، وسقط لبنان في أحضان حزب الله منذ ذلك الوقت، وتمكنت إيران من إحكام سيطرتها على لبنان، وسقطت البلاد في براثن الفوضى والجوع والأوبئة والتخلف.

تمامًا كما هو الحال في اليمن، الذي تتخذه إيران ورقة إقليمية لابتزاز والمفاوضة، وتحاول طمس الهوية العربية لهذا البلد الذي يشكل منطلق الحضارة العربية، لكنها لن تتمكن من ذلك، لأن عمر سيطرتها سيكون حتما أقصر من عمر العروبة، فالفن العربي والكتابة العربية واللغة العربية ستبقى أبد الدهر، في اليمن وفي العراق وسوريا ولبنان وكل الدول العربية.

أنا أؤيد ما قاله الكاظمي حول ـن «الصواريخ والمُسيرات الجبانة لا تبني أوطانًا، ولا تبني مستقبلًا»، وإن الجهة الواقفة خلف عملية اغتياله داخلية وليست خارجية، وإنها ليست التنظيمات الإرهابية، مثل داعش وغيرها، بل طرف له مشروع سياسي ولديه شراكة في العملية السياسية.

وأشجع عمل العراق على بناء دولة تحترم مؤسساتها، وتأسيس مستقبل أفضل لكل العراقيين، بعيدا عن القوى السياسية العراقية التي لا تلتزم بالأطر الدستورية والسياقات القانونية للعملية الانتخابية التي جرت مؤخرًا، المتمثلة بالجهات السياسية الممثلة لفصائل الحشد الشعبي الولائية المُقربة من إيران، حيث أعلنت صراحة عدم قبولها بالنتائج وصارت تضغط وتهدد بالفوضى ما لم يتم التراجع عنها وإيجاد مخارج غير دستورية لها.

فمحاولة الاغتيال الفاشلة لم تستهدف «الكاظمي» كشخص أو مسؤول، وإنما استهدفت بالأساس إفشال جهود إعادة الاستقرار والأمن للعراق، وهي الجهود، التي قادها ويقودها «الكاظمي» باقتدار وكفاءة، فقد كان له دوره الحاسم في كسب المعركة مع تنظيم «داعش» الإرهابي، حتى قبل أن يتسلم السلطة عندما كان رئيسًا لجهاز الاستخبارات، إضافة إلى جهوده المستمرة في مواجهة فوضى انتشار السلاح بيد المليشيات المسلحة، ومحاولة إصلاح الملف الأمني عبر سلسلة تغييرات في البنية الأمنية والعسكرية للبلاد، والقيام بعمليات استباقية ضد فلول «داعش» في العراق، وهي الجهود التي أثمرت تراجعًا في وتيرة وخطورة العمليات الإرهابية، فضلا عن حرصه الدائم على إبعاد العراق عن دائرة الاستقطاب الأمريكي-الإيراني، وعن دائرة الهيمنة الإيرانية.

هناك من يريد جرّ العراق إلى الفوضى، والأيام المقبلة ستكون حرجة للعراق، عند إعلان نتيجة التحقيق في الهجوم على منزل الكاظمي، خاصة بعد أن استخدم الطرف الموالي لإيران الخاسر في الانتخابات تكتيكات مختلفة للضغط في عملية تشكيل الحكومة، عبر القول إن نتائج الانتخابات مزورة، والضغط عبر الشارع ومحاولة اقتحام المنطقة الخضراء المحصنة في وسط العاصمة.

الظلم ليس له دين، والاستهتار بالناس ليس منهجا في أي دين من الأديان، فأعيدوا حساباتكم، وعودوا إلى صوابكم واقبلوا بالواقع كما هو وتعاملوا معه بناء على هذا الأساس، فالدول العربية ستبقى عربية، ولا مستقبل لها إلا بالعروبة والتكاتف فيما بينها.

بواسطة akmiknas

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s