الحكم العاطل وزراؤه عاطلون

لا غريب في أن يصبح التافه وزيرا في زمننا الرديء هذا، زمن الحكومات اللبنانية التي باتت تتشكل من المعارف والجيران، وكأنها باص عمومي ينتظر فقط أن تمتلئ كراسيه حتى يمشي، بغض النظر عمن يملؤها، بل أحيانا يتذلل للركاب كي يصعدوا معه، لأن بعضهم يرفض لأنه يدرك سابقا أن هذا الباص مترهل ربما لن يصل لأبعد من المحطة القادمة، إذا تحرك من مكانه أصلا.

ففي مايو الماضي صدر عن وزير الخارجية اللبناني شربل وهبة تصريحات مسيئة لدول الخليج كلفته منصبه، ولم يتعلم وزير الإعلام الحالي جورج قرداحي الدرس، فأوقع نفسه ومعه لبنان في نفس المصيبة، ثم سار في طريق الخراب هذا وزير الخارجية عبدالله بوحبيب وتسربت له تسجيلات تسيء للسعودية أيضا، وكأنه أراد ألا يتخلف عن مركب الخراب ذاته، وأنا لا ألوم السعودية ودول الخليج على مواقفهم تجاه الوزراء المسيئين، بل أدعوهم لموقف أكثر صلابة حتى يعود الحكم اللباني بأجمله إلى رشده، ويعرف كيف يميز أصدقاءه من أعدائه.

فلطالما كانت المملكة العربية السعودية سند الأمة العربية والإسلامية، ومدت يد العون لأشقائها في مصر ولبنان واندونيسيا والفلبين وغيرها من أصقاع الأرض، دون أن تحاول فرض أي نوع من الهيمنة السياسية أو العقيدة على تلك الدول كما تفعل عادة الدول القوية أو المانحة، بالمقابل فعلت إيران كل شيء حتى تصدر ثورتها لدول المنطقة، حتى أنها أفقرت شعبها وخربت الدول العربية التي سيطرت عليها. هذه حقيقة واضحة كالشمس، وقاعدة يجب أن تبني الدول عليها علاقتها مع السعودية ومع إيران.

قرداحي مقدم برامج تلفزيونية أساء إلى السعودية والبحرين والإمارات، وجلب الضرر لشعب بأكمله، هو شعبه اللبناني، ولا زال يعاند ويرفض الاعتذار أو التنازل أو الاستقالة، بعد أن وجد نفسه في دائرة الضوء من جديد. في الواقع هذه قمة التفاهة والأنانية.

قرداحي واحد من الذين صعدوا أخيرا في باص الحكومة اللبنانية المتهالك، وهو شخص منفوخ مبالغ بتقديره نجح من خلال الشكل وليس المضمون، ولكن لا يهم طالما أنه قبل الوزارة، فهو «كمالة عدد» لا أكثر، حاله حال معظم زملائه الوزراء، وقد قبل بالوزارة ليؤكد بذلك مجددا أنه يقف في منطقة رمادية بين قوى الخير والشر، يلعب على الحبال، يتسلق أي واحد منها يرتقي من خلاله للأعلى، فجأة وجد نفسه تحت الأضواء مجددا، وهو يماطل في الخروج من الساحة وإنقاذ لبنان.

لكن تبقى قصة جورج قرداحي تافهة، مجرد تصريحات هوجاء متهورة من مقدم برامج تلفزيونية أصبح بقدرة قادر وزيرا في حكومة تتبدل كل عدة أشهر، وإن صور جورج قرداحي المرفوعة في معاقل الحوثيين في صنعاء باليمن، وقبلها صور حسن نصر الله، تعطينا فكرة عن «الطابور الخامس» الذي تغلغل في دولنا العربية وعاث فسادا فيها.

الموقف السعودي من لبنان اتسم بالحلم والاحتواء طيلة عقود، لكن النار بدأت تلسع المملكة على مقربة من حدودها، مع اليمن، والأمن القومي لا يكون داخل حدود الدولة، وإنما يشمل الإقليم كاملا وربما العالم، لذلك قررت السعودية أن تتحرك ليس دفاعا عن مصالحها ومصالح الأمة العربية والإسلامية فقط، بل لإنقاذ لبنان من بعض ساسته وأحزابه أيضا وإعادته للحضن العربي.

لقد اتسمت المملكة العربية السعودية بالكرم اللامحدود في منح المساعدات للدول والأفراد، لكنها ازدادت إدراكا أنه لا يمكن إطفاء النزاعات وطمرها تحت رزم الأموال، لذلك عززت من نهضتها السياسية فتحولت الرياض إلى قبلة السياسيين والدبلوماسيين من أصقاع العالم، كما حركت المملكة جيوشها عندما استشعرت الخطر الحوثي على حدودها الجنوبية بعد الانقلاب على الشرعية في اليمن، وأدركت أن أمنها القومي لا ينحصر فقط ضمن حدودها الجغرافية.

يكفي أن ننظر إلى لبنان المتهالك، وإيران التي يسكن شعبها المقابر، وننظر إلى السعودية التي يتمتع عدد قليل من الدول حول العالم بهذه المستويات العالية من التطور، مدن ضخمة ومناطق صناعية ومشاريع كبرى تنشأ من العدم، وكل ذلك يحدث بنشاط ودقة، وهذا ما يجعلني أشبه المملكة العربية السعودية في كثير من الأحيان بخلية النحل.

وليس بغريب على مملكة البحرين موقفها المبادر والشجاع إلى جانب شقيقتها السعودية في ملف قرداحي عندما سارعت إلى استنكار تصريحاته والطلب من السفير اللبناني المغادرة وغير ذلك من الإجراءات، فالسعودية والبحرين في خندق واحد باليمن، كما أن البحرين لا تنسى المواقف الداعمة لها من جانب جارتها وشقيقتها المملكة العربية السعودية، حيث تمثل العلاقات الثنائية بين البلدين نموذجا يحتذى، وذلك استنادا لعمق الروابط الأخوية والتاريخية الوطيدة، وحرص قادة ومسؤولي البلدين على تطويرها وتفعيلها.

ويتطلب مني عملي كرجل أعمال إبقاء عيوني مفتوحة دائما على الفرص الاستثمارية من حولي، ومع أن المملكة العربية السعودية ظلت على مدى أكثر من أربعة عقود فائتة السوق الأكبر لعوائد مجموعة برموسفن القابضة التي أترأس مجلس إدارتها، إلا أنني واثق الآن أكثر من أي وقت مضى أن هذا السوق مرشح للنمو أضعاف ما هو عليه الآن، رغم التحديات التي فرضتها جائحة كورونا، ثم نزول أسعار النفط، والجميع يدرك هذه الحقيقية لكن يبدو أن البعض تتعارض مصالحه معها.

لذلك أقول إنه من الأحرى بقادة لبنان، وغيرهم من القادة العرب الذين تعاني شعوبهم الضنك والجوع، أن يعملوا ليكونوا جزءا من رؤية السعودية 2030، والاقتداء بتوجهات ولي العهد محمد بن سلمان والتي تمثل أهداف المملكة في التنمية والاقتصاد لـ15 سنة مقبلة، وأن يستفيدوا من النتائج المبشرة لهذه الرؤية من خلال ارتباطهم معها تجاريا وتقنيا.

ويمكن استخلاص مقارنة مماثلة مع الدور الإقليمي للمملكة العربية السعودية، فالمملكة لديها مصلحة قوية في السلام الإقليمي والاستقرار والازدهار، وهي لم تسع نهائيا لتوسعة حدودها أو فرض نفسها على الآخرين. يحدث هذا فيما يشهد الإقليم اضطرابات واسعة أسفرت عن إزالة حدود سياسية بقيت صامدة طيلة المئة سنة الماضية، كما أسفر سقوط أنظمة عن اضمحلال دور الدولة المركزية مقابل صعود قوة متشرذمة تتحارب فيما بينها إلى ما لانهاية، كما يحدث في ليبيا، وليست اليمن أحسن حالا الآن.

نحن متفائلون بمستقبل السعودية والبحرين والإمارات ودول الخليج العربي، لكننا قلقون جدا على لبنان، ويجب أن يشاركنا قرداحي قلقنا هذا، وينهي هذه المهزلة.

بواسطة akmiknas

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s