الخروج من عنق الزجاجة

عقد من الزمان مر حتى الآن على ما سُميَّ زورا وبهتانا بـ«الربيع العربي»، عشر سنوات وحال دول هذا الربيع تزداد خريفًا واصفرارًا وتساقطًا، لا استثني أيًا منها سوى مصر التي تمكنت بقدرة قادر من تخطي مآسي هذا الخريف بأقل الأضرار الممكنة، واستعادت جزءًا من عافيتها وأوقفت زحف الجماعات المتطرفة على السلطة، هذه الجماعات التي تعتبر أن الدولة غنيمة وأن مهمتها الوحيدة هي إقامة ما يسمونه شرع الله في أرضه.

وأشدد على دور مصر في كسر سلسلة أحداث الخريف العربي لأن هناك من قال «أينما ذهبت مصر لحقتها الأمة العربية»، وهذا القول فيه شيء كثير من الصواب، فمصر لديها العامل الديمغرافي والعدد الهائل من السكان والبعد العسكري والاقتصادي والتاريخي والحضاري، وهو ما يعطي الأمة العربية وزنا أكبر على الساحة الدولية، يضاف إليها دول الخليج العربي وبالأخص المملكة العربية السعودية، وهي دول تقدم في كل يوم إنجازات تجعلنا نفخر أكثر فأكثر بعروبتنا.

وإن ذكري لمصر لا يعني أنني أغفل أهمية دول أخرى مثل العراق وسوريا ولبنان وأثرها على محيطها العربي، ولا بد أن أعرج هنا على الحبية تونس التي تجتهد للنهوض من كابوس خريفها، وإن ما فعله الرئيس قيس سعيد كان جريئًا ووطنيًا بمعنى الكلمة وأتمنى أن يتمكن من الإيفاء بوعوده وإعادة السلطة إلى الشعب.

أمر على خريطة الوطن العربي الكبير لأصل إلى السودان الذي لا يمكن أن تخطئه العين لمساحته الكبيرة وإمكاناته الهائلة وطيلة فترة عدم استقراره، وكأن قدر هذا البلد هو الاقتتال على السلطة وهدر الموارد وعدم وجود تنمية حقيقية مستدامة يستفيد منها الشعب السوداني الطيب الذي هو أهل لكل خير، وأتمنى أن يتمكن العسكر هناك من إدارة هذه المرحلة الحساسة من تاريخ البلد ثم العودة إلى ثكناتهم بعد تسلم السلطة لحكومة منتخبة. أقول: أتمنى ولا أريد القول إن الأماني بضاعة الحمقى.

يبدو أن معرفتنا بالربيع ضحلة إلى حد كبير، فليس هناك فصل ربيع حقيقي في كثير من أجزاء الوطن العربي وإنما غبار وتراب، ولم تتمكن الدول التي عصف بها هذا الربيع من الانتقال من الثورة إلى الدولة، وظلت معلقة ما بين ما تريده الدولة من تطبيق لدساتيرها، ورغبة الجماهير المتظاهرة للبدء من أول سطر دستور جديد، والأنكى من ذلك أن دولا عربية أصبحت مرتعا لدولة الخلافة الإسلامية المزعومة، ومزقتها أنواع من الحرب الأهلية.

تتقلب الأيام على مواجهات مميتة في العراق ولبنان، ويسود فقر مدقع رغم الثروة البترولية الهائلة في الأول، ومقومات السياحة والصناعة المصرفية في الثاني، ولم تعد الشوارع تضم المتظاهرين أو الشعب فقط، بل لم يعد مفهومًا من الذي يريد إسقاط النظام، ومن «كلهن» الذين عليهم أن يذهبوا؟ ووجه الشبه بين البلدين أن المتظاهرين يريدون دولة وطنية، وإزالة الطائفية، ولا بأس الخلاص من إيران والتبعية لها، ولكن من بينهم في ذات الوقت جماعات تريد هدم الدولة بهدف إحكام السيطرة عليها. فكيف نطالب بإقالة أو إزاحة أو إسقاط الطبقة السياسية في هذين البلدين، ثم نوكل إلى هذه الطبقة ذاتها بكل ما فيها من تعقيدات مهمة تشكيل حكومة تكنوقراط، وكأن لسان حالنا يقول «فيك الخصام وانت الخصم والحكم».

لم تمر أشهر على انطلاقة الربيع العربي حتى تعسكرت الثورات وصعد التطرف الديني واندلعت الحروب والنزاعات، ولم تملأ أي إصلاحات ديموقراطية الفراغ الذي خلّفه سقوط الأنظمة، بل علا صوت العنف، وهناك من يقول إن العشر سنوات الماضية هي مجرد إرهاصات تنبئ بولادة مستقبل أفضل، وأن الثورات تحتاج إلى وقت لتنضج وتعطي ثمارها كما حدث مع الثورة الفرنسية، لكني لست من مؤيدي هذا القول صراحة لأن ما أراه هو أننا عدنا إلى العصور الوسطى، وأهدرنا عقودا من التنمية، ونحتاج إلى أجيال لمسح الآثار الكارثية لثوراتنا.

الناس مساكين، الكل يتكلم باسمهم، ويراهن على صبرهم ووعيهم ونقاء سريرتهم وقدرتهم على استشراف المستقبل، وكل من الأنظمة والمعارضات تدعي أنها تمثلهم، وأنها أبوهم الذي يأخذ بيدهم إلى الطريق الصحيح، لكن ما يحدث أنهم يزدادون جوعا وفقرا وقهرا وقلقا على مستقبلهم ومستقبل أولادهم، ويصبحون أكثر ميلا للهجرة والقفز من مركز وطنهم الغارق.

وبعد مرور 10 سنوات على ما سُميّ «الربيع العربي» تراودني تخيلات وسيناريوهات، وأتساءل كمنْ يُريد العودة بالزمن للوراء، أو استشراف مسار جديد له، ماذا لو لم يحرق محمد البوعزيزي نفسه في سيدي بوزيد احتجاجا على صفعة تلقاها من شرطية؟، ماذا لو لم يحدث ذلك، هل كان الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي على رأس السلطة في تونس حتى الآن؟

نفس الأسئلة تدق جدران ذاكرتي، ماذا لو تمسّك الرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك بالسلطة ولم يُعلن تنحيه؟، ولم يخرج مدير المخابرات -آنذاك- عمر سليمان ليزف البُشرى للجماهير المحتشدة في ميدان التحرير، هل كنا سنرى مبارك قد ورّث الحكم لنجله جمال؟ وماذا لو كان العقيد مُعمر القذافي أكثر عقلانية ولم يتهم المُحتجين على حكمه بأنهم جرذان، ويُطالب بملاحقتهم في كل «زنقة ودار»، أكان حتى الأن مُعززا مُكرما في خيمته في طرابلس ولم يقتل، ولظل للقمم العربية نكهتها بسخريته والمناكفات التي كان يخترعها؟ ويستمر سيل الأسئلة المتخيلة عن الرئيس اليمني علي عبد الله صالح الذي أشعل النار في بلاده، فلم تنطفئ حتى بمقتله، وعن الرئيس السوري بشار الأسد الذي لو تصالح واعتذر عن مأساة درعا لطوى صفحة حرب أهلية لم تُبقِ ولم تذر؟

على كل حال بعد 10 سنوات لا تبدو الصورة مُبشرة، خاصة بعد أن استغلت إيران والإخوان المسلمون والجماعات المتشددة رغبة الشعوب العربية في حياة أفضل، فعبثوا وعاثوا فسادا وركبوا على ظهر الشعوب العربية كمطية لتحقيق مآربهم، لكن الإنهاك والخسارة أصاب الجميع، حتى أن مجلة الإيكونوميست البريطانية عنونت تقريرا لها «لا داعي للاحتفال بالذكرى العاشرة للربيع العربي»، الذي خلّف وراءه نصف مليون قتيل، و16 مليون لاجئ، عدا عن حروب أهلية وصراعات لم تضع أوزارها حتى الآن، كاليمن، وسوريا، وليبيا.

وفي كل يوم يتأكد لنا جميعا في الخليج العربي؛ حتى أولئك الضالين المغرر بهم بيننا؛ أهمية بقائنا بعيدا عن نيران الربيع العربي، وكيف استطاعت دولنا بحكمة قيادتها ووعي شعوبها إحكام غلق الأبواب في وجهه، وحافظت على مسيرة التنمية ومكتسباتها، وعرفت كيف تصنع الرفاه والأمن والاستقرار لمواطنيها.

بواسطة akmiknas

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s