لا تقول فول حتى يصير بالمكيول

يصفني العديد من الأصدقاء بأني “الرجل ذو اليد الذهبية”، قاصدين من وراء ذلك أنني عندما أضع يدي في مشروع فإنه لا بد أن يرى النجاح، لكن ما يدركونه أو لا يدركونه فعليا هو حجم العمل والجهد الذي أبذله من أجل تحقيق هذا النجاح. فأنا في الواقع لا اعتقد أن هناك يدا خُلِقت ذهبية، بل هناك يد أصحبت ذهبية لأنها تعمل بجد، وأخرى برونزية أو نحاسبة تعمل نصف عمل، وثالثة خارج التصنيف لأنها يائسة حائرة مترددة مرتجفة مكبَّلة لا تعمل إطلاقا.

النجاح هو ذروة جبل الجليد التي يراها الجميع، فيما لا يرى الكثيرون منهم أن هذه الذروة ترتكز على أضعاف أضعاف حجمها التي يغمرها الماء، وهكذا هو النجاح، مجهود مضنٍ وسهر وقلق ومحاولات متكررة غير موفقة أو غير مكتملة قبل الوصول إلى انبلاج الصبح يصحى الجميع ليرونه فجأة.

ورغم أني رجل متفائل بطبعي، إلا أني ميال للتفاؤل الحذر، التفاؤل المبني على العمل، التفاؤل الذي يتطلب المرونة في الوصول إلى الأهداف، التفاؤل الذي يتقبل الانكسار مرة واثنتين وثلاثة والنهوض في كل مرة أقوى، والاستفادة من التجارب، وإبقاء الأعين مفتوحة على اتساعها على أية فرص كامنة هنا أو هناك.

لكني في الواقع أنا أرى العديد من أصدقائي ينجرفون خلف التفاؤل غير المبني على أسس صحيحة، التفاؤل الذي يشبه اليانصيب: إما تصيب وإما تخيب، وهو ما يجعل مشاريعهم أقرب إلى الحلم، وربما إلى الوهم. لقد فهموا ريادة الأعمال والمغامرة والمجازفة على أنها قفزة من أعلى جبل نحو الغيوم دون امتلاك أدوات طيران وهبوط ملائمة، لذلك لا تكون نهايتهم مع الأسف أفضل من نهاية عباس بن فرناس الذي طار لأمتار قليلة قبل أن يقع وكاد يفقد حياته.

وأرى أن بعضهم يخلط بين الحلم والهدف، فالحلم ضروري لتحريك الخيال وتنفيذ مشاريع مبتكرة بطريقة غير تقليدية، والإنسان الأقدر على الحلم والتخيل أقدر على الخلق والإبداع وتغيير الواقع الذي نعيشه نحو الأفضل، لكن الحلم يبقى حلما بعيد المنال إلا في حالة واحدة، وهو أن يتم تحويله إلى هدف، والهدف لا يمكن تحقيقه دون خطة عمل واضحة المعالم وقابلة للتنفيذ والقياس والتقويم والتصويب.

يقول جبران خليل جبران: “لا توجد مصاعد الى النجاح وانما هناك درجات”، وأحب تعريف النجاح على أنه ليس القفز في الهواء نحو الهدف، بل التحقيق المتدرج لهدف ذي قيمة، والشخص الذي يقول لنفسه «سأصبح كذا أو كذا» ويسعى كل صباح جاهدا لتحقيق ذلك، والنجاح هو معلم المدرسة الذي يعلّم فيها لأن هذا هو المكان والعمل الذي يريد القيام به، والنجاح هو المرأة التي هي زوجة وأم لأنها تريد أن تصبح زوجة وأما وتقوم به على أكمل وجه، والنجاح هو رجل يدير محطة وقود لأن ذلك كان حلمه وما كان يريد القيام به، والنجاح هو البائع الذي أراد أن يصبح البائع الأول في منظمته، والنجاح هو أي شخص يفعل عمدا وظيفة محددة سلفا لأن هذا هو ما قرره عمدا، ولكن واحدا فقط من أصل 20 يفعل ذلك.

هل تعرف أن الأسد لا ينجح في الصيد إلّا في ربع محاولاته؟ أي أنه يفشل في 75% من محاولاته وينجح في 25% منها فقط؟! ورغم هذه النسبة الضئيلة التي تشاركه فيها معظم الضواري إلّا أنه يستحيل على الأسد أن ييأس من محاولات المطاردة والصيد. والسبب الرئيسي في ذلك ليس الجوع كما قد يظن البعض، إنما هو استيعاب الحيوانات لقانون “الجهود المهدورة حتما”، وهو القانون الذي تعمل به الطبيعة كلها، فنصف بيوض الأسماك يتم التهامها، ونصف مواليد الدببة تموت قبل البلوغ، ومعظم أمطار العالم تهطل في المحيطات. ومعظم بذور الأشجار تأكلها العصافير.

حتى أننا عندما كنا أطفالا تعلمنا المشي بعد سقطات كثيرة، كنا في كل مرة نبلغ دموعنا وننهض مجددا ضاحكين حتى أتقنا المشي، ولم نطلب من أمهاتنا أن يضمن لنا أننا لن نقع قبل أن نقوم بالمشي، لكن عندما يكبر الإنسان يرفض هذا القانون الطبيعي الكوني ويعتبر أن عدم نجاحه في بضع محاولات يجعل منه إنسانا فاشلاً، لكن الحقيقة هي أن الفشل الوحيد هو “التوقف عن المحاولة”، والنجاح ليس أن يكون لديك سيرة حياة خالية من العثرات والسقطات، بل النجاح هو أن تمشي فوق أخطائك وتتخطى كل مرحلة ذهبت جهودك فيها هدراً وتتطلع الى المرحلة المقبلة.

ولو كان هنالك من كلمة تلخص هذه الدنيا فستكون بكل بساطة: “استمر”، لذلك وضعت عنوانا لكتابي الذي أصدرته مؤخرا عن سيرة حياتي “لم انتهِ”.

بواسطة akmiknas

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s