هل السيارات حمراء اللون أقوى بالفعل؟

هل سبق وسمعت بالمثل القائل «حَمَر وما يغرِّز»؟ أنا عايشت هذه القصة بنفسي.

ذهبت للعمل في صالة عرض لسيارات كرايسلر في جدة بالسعودية في العام 1967، وعندما وصلت إلى مركز الشركة دخلت صالة عرض جديدة وقلت للموظفين هناك: «أريد مقابلة السيد علي العيسائي صاحب الشركة».

أخذوني إلى سطح الصالة حيث كان هناك رجل في بداية الخمسينات يسقي الإسمنت بالماء، وقالوا «هذا هو السيد علي»، عرَّفته بنفسي وتصافحنا، وبدأت بمساعدته في رش الماء على الإسمنت، وأخذنا نتجاذب أطراف الحديث ودخلنا في جو من المودة المشتركة بسرعة، ودعاني إلى الغداء مع أسرته في اليوم التالي، وكانت أول تجربة لي في الجلوس على الأرض وتناول الطعام. كان متواضعًا جدًا، ولم أشعر بأنه صاحب العمل وأنا موظف.

كان التحدي الأول لي في عملي هناك هو أن أستطيع أخذ حصة كبيرة من سوق السيارات الفارهة بناء على طلب السيد علي، كما طلب مني أن أكون مترجما له، وكان قد باع بالفعل سيارتي نيويوركر للأمير فهد بن عبد العزيز الذي أصبح ملكًا فيما بعد، مقابل 10.000 دولار لكل منها، وهو ما شكَّل بداية جيدة لعملي هناك.

التسويق يحتاج إلى إعلان كما درسنا في الجامعة، لكن لم يكن هناك أي شركات إعلان حينها في جدة، وأصبح هذا تحد جديد لي، علمت على تصميم إعلان بنفسي تحت عنوان «سيارة الأحلام»، سيارة نيويوركر جميلة لم يرها أو يسمع عنها الكثير، وبحثت عن مطبعة لصنع كليشية لهذا الإعلان، ثم أخذته ونشرته في صحيفة عكاظ، وحقق الإعلان الأثر المطلوب بشكل شبه فوري.

بينما كنت في هذه المهمة مع السيد علي وشقيقه عمر، قال لي: «لدينا مشكلة في بيع شاحنات (ونَّات) كرايسلر، فلدينا في المخزون نحو 30 سيارة لم نستطع بيع أي منها منذ نحو ستة أشهر».

سألت نفسي؛ ما هي هذه المشكلة؟ يجب أن أعرف سببًا لذلك، فالاقتصاد السعودي في توسع ونمو، وهناك طلب كبير على الشاحنات التي كانت تسمى «ونَّات»، قال لي: «الناس تأتي إلى هنا وتعاين هذه الشاحنات، لكنها لا تشتريها»! فقلت: «عطيني وقت أدرس الموضوع، وإن شاء الله نلاقي لها حل». 

وبدأت بذلك فيما كنت أقوم بمهام أخرى، كما أفعل عادة، أجري تحقيقات، وأتفحص الموقف من جميع جوانبه. خلال هذه الفترة كنت أعيش في فندق «عطاس» القريب من المطار، حيث يقيم عدد كبير من طاقم الخطوط الجوية السعودية.

كانت صالة العرض بعيدة قرابة خمس كيلومترات على طريق جدة – مكة المكرمة، وكثيرًا ما آخذ سيارة أجرة صغيرة للذهاب إلى صالة العرض، وكالعادة بدأت الكلام وطرح الأسئلة على السائقين، وكان الجواب بالإجماع بأن «بيك آب (ونة) فورد هي الأفضل»، وعندما أسألهم كيف يعرفون سيارة فورد عن غيرها من السيارات كان الجواب دائمًا: «تعرفها من لونها لأن فورد دائما أحمر».

في الواقع كان أغلبية شاحنات أو (ونات) فورد حمراء اللون، وبالتالي أي بيك آب آخر ليس أحمر هو ليس فورد، وليس جيد!، فيما بعد عرفت أن هناك مثلا في الخليج يقول «حمر ما يغرز!».

استمريت في هذه النقاشات مع من أصادف من السائقين لمدة أسبوع كامل، وراقبت الشاحنات على الطريق، لقد كانوا على حق، معظم الشاحنات على الطريق حمراء.

عدت إلى الصالة حيث رُكنت شاحنات كرايسلر غير المباعة، وتبين لي رأسا أنه ليس من بينها أي شاحنة حمراء، ثم راجعت قائمة الجرد، ولاحظت أنه في بداية الأمر كانت لديهم ثلاث سيارات حمراء وأنها بيعت في غضون أسبوع.

وأوضحت نتائج زيارتي للأخوين علي وعمر، وتحولت إلى عمر قائلاً: «شو رأيك ندهن كل السيارات بالأحمر، برأيي ما فيه حل تاني». فكرا للحظات، وقال السيد علي: «آي والله، معك حق، حتى أنا كنت أفكر أن السيارة الحمرا الأفضل والأقوى». ثم قاموا بطلاء الشاحنات لديهم باللون الأحمر، وبيعت جميعها وبسرعة.

كانت تلك الأيام في جدة مثل أيام البحث عن الذهب في أمريكا، أناس مختلفون من خلفيات مختلفة منشغلون في تحقيق الأرباح وكسب المال الذي كان متوفرًا بشكل جيد، وكنت قادرًا على إرسال كميات جيدة من المال إلى زوجتي في بيروت. 

الطريقة التي كنت أرسل بها المال ربما حالة فريدة في التاريخ مثيرة للاهتمام، كنت أذهب إلى سوق جدة لأحول المال إلى زوجتي، حيث دكان لصراف اسمه الراجحي، كان أكثرهم شهرة ويحظى بثقة الجميع، وما وجدته طريف في وقتها بأنه يجلس متربعًا على منصة عالية داخل دكانه وأمامه صناديق فيها عملات مختلفة، يمد لك عصا تشبه المجداف، تضع عليها النقود السعودية وتخبره برغبتك في تحويل تلك النقود إلى دولارات أو ليرات لبنانية أو غيرها.

يأخذ الريالات السعودية منك، ويضع لك على المجداف ما يقابلها تمامًا من العملة المطلوبة، ويناولها لك.

بنهاية فترة عملي هناك كافئني السيد علي بـ1500 دولار، وقبل عودتي إلى لبنان طلب مني مرافقته في رحلة عمل إلى أمريكا لزيارة مصنع كرايسلر والاجتماع مع المسؤولين فيه.

عدت إلى لبنان، ومن هناك حصلت رأسًا على تأشيرة دخول للولايات المتحدة الأمريكية، وفي الموعد المحدد التقيت بالسيد علي في مطار هيثرو، ومنه ركبنا الطائرة إلى أمريكا، وعلى الطائرة طلب مني السيد علي أن أقرأ عليه أسماء شركات البورصة الأمريكية وأسعارها من صحيفة وول ستريت الموجودة على متن الطائرة، وذهلت عندما رأيته عالمًا بكل صغيرة وكبيرة في أسواق المال على الرغم من أنه لم يكن يستطيع القراءة ولا الكتابة باللغة الإنجليزية، حتى أن قدرته على قراءة اللغة العربية كانت محدودة، إلا أنه كان يعرف كل أسماء الأسهم ومطلعًا جيدًا على مجريات السوق، وطلب مني تدوين بعض الأسماء لنشتري أسهما فيها.

كانت رحلة عمل ناجحة جدا، عدت بعدها إلى لبنان فيما عاد هو إلى جدة بعد أن أعطاني مكافأة ألف دولار أخرى.

بواسطة akmiknas

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s