المال سيد سيئ وخادم مطيع

3-LO_1196

«الكاميرات تلتقط صورًا لبيل جيتس في مشهد استثنائي»، و«صور الملياردير الأمريكي بيل جيتس بحقيبة بها بقايا طعام»، و«رابع أغنى شخص في العالم (بيل غيتس) يحمل بقايا طعام عشائه»، و«رغم ثرائه الفاحش.. بيل جيتس يحمل بقايا طعام عشائه»، و«بيل غيتس يأخذ بقايا عشائه للمنزل رغم ثروته بالمليارات».

كانت تلك بعض عناوين الصحافة حول صورة ظهر فيها غيتس وهو يخرج من مطعم حاملاً بيده ما بدا أنه بالفعل طعام تبقى على طاولته بعد أن طلب من صاحب المطعم وضعه في كيس «ديليفري»، وذلك بما يشي باستنكار واستهجان هذا التصرف من شخص لو وزَّع ثروته على سكان الأرض لحظي كل واحد منهم بأكثر من عشرين دولار.

لكن تعالوا نتعمق أكثر في شخصية الرجل الذي أطلق ويدير أكبر مؤسسة خيرية مانحة في التاريخ، هي مؤسسة «بيل ومليندا»، إذ تمتلك أصولاً تزيد عن 50 مليار دولار، ووصل مجموع تبرعاتها لأكثر من 40 مليار دولار لمبادرات تعليمية وصحية في العالم على مدار السنوات القليلة الماضية، كما كان في مقدمة المتبرعين لجهود البحث العلمي ذي الصلة بفايروس كورونا وإنتاج اللقاحات وإنقاذ البشرية من هذه الجائحة.

أنا صراحة معجب بشخصية هذا الرجل العصامي وفكره الثاقب. لقد حذرنا قبل عشر سنوات من أن نهاية البشرية لن تكون بقنبلة ذرية أو هدروجينية، وإنما بفايروس فتاك ينتشر سريعًا ويهدد حياتنا وطرق عيشنا، ودعا إلى تسريع الأبحاث الطبية للتصدي لسلسة الفيروسات التي تطور نفسها، واستباق تفشيها بعلاج ناجح لها. لكن البعض مع الأسف يستخدم هذا التحذير الآن على أن غيتس كان يروج لشريحته الإلكترونية التي يريد زرعها في أجسامنا لمراقبة صحتنا.

لقد قرر الملياردير العصامي بيل غيتس أن يبيع أو يتبرع بمعظم حصته في مايكروسوفت، إذ بلغت قيمة تبرعاته من أسهمه حتى الآن 35.8 مليار دولار، واحتفظ بنسبة تصل إلى 1 في المئة فقط في الشركة الأمريكية، أي نحو 10 مليارات دولار، إضافة الى ذلك ينفق غيتس أمواله على العديد من النشاطات والمقتنيات، إلا أن دعم العالم بالمشاريع الإنسانية والخيرية، هو في طليعة اهتماماته.

رغم ذلك لا زال البعض يتهم غيتس بالبخل، وذلك لإنفاقه المتواضع على أزيائه، حيث يرتدي ساعة رخيصة، ويأكل باستمرار وجبات المطاعم السريعة، كما تشير تقارير إلى تخصيصه 10 ملايين دولار لكل طفل من أبنائه الثلاثة، أي أن كل واحد سينال 1.1 في المئة فقط من ثروة والدهم، لاعتقاد غيتس بأن عليهم أن ينجحوا ويبنوا أنفسهم بالاعتماد على ذاتهم فقط.

يمكنهم أيضًا اتهام صديق بيل غيتس، المستثمر الأسطوري الداهية وارن بوفيت بالبخل، حيث أنه يتشارك مع غيتس بعض الشركات والأعمال، والصفات الشخصية أيضا، لناحية اللبس المتواضع والأكل في مطاعم الوجبات السريعة، حتى أنني قرأت ذات مرة أنه يختار وجبة من مكدونالدز بـ1.7 دولار عندما تكون أسواق المال ليست على مرام، لكنه يدلل نفسه بوجبة بـ 2.3 دولار عندما تزدهر هذه الأسواق، أي أنه يسمح لنفسه بإنفاق نصف دولار إضافي على طعامه في اليوم الذي يحقق فيه ملايين الدولارات من الأرباح.

هذا يبدو غريبا، لكنه لا يصبح كذلك عندما نقرأ للرجل الحكيم في مسألة إنفاق الأموال عندما يقول: «إذا اشتريت ما لست بحاجته اليوم فستضطر غدا على الأغلب إلى بيع ما انت بحاجته»، ويقول أيضًا «احرص على أن تدخر المبلغ الذي تريد أولا ثم انفق الباقي، بدلاً من أن تنفق ما تريد ثم تفكر بادخار الباقي».

ألا تختصر هذه الإرشادات والنصائح والحكم كتبًا كثيرة تدلنا على الطريق الصحيح في التعامل مع المال وكيفية إنفاقه حتى لا نقع في براثن الديون والفقر وفي ذات الوقت نكون أعضاء صالحين نافعين في هذا المجتمع؟

لا ضير أبدًا في أن نعلم أطفالنا أيضًا ما بات يسمى بـ «الثقافة المالية»، وكيفية اتخاذ القرارات الصحيحة بشأن صرف المال، فهي ليست مسألة عشوائية، بل تعتمد على فن اتخاذ القرار السليم ضمن مبادئ واضحة، وعندما يذهب أحد الوالدين إلى المتجر لشراء مستلزمات المنزل ويأخذ طفله معه فمن المهم أن يشرح للطفل لماذا اختار منتج دون الآخر ولماذا يفضل شركة على الأخرى في شراء أغراضه منها وما هي المعايير التي يتبعها.

لا بد أيضًا من إرشاد الأطفال والناشئة إلى أن الأهل ليسوا جهاز صراف آلي يُخرِج لك أموالا من الجدار كلما شئت، خاصة وأن سعي بعض الأهالي لإرضاء أطفالهم عبر توفير كل ما يحتاجونه ويطلبونه من متع ولهو دون حسيب ولا رقيب ربما يفسد الأطفال ويجعل منهم غير مبالين بل وفاشلين، بل ربما هنا يمكن إشراك الأولاد في وضع ميزانية الأسرة بداية كل شهر مثلاً، ومراقبتهم لإنفاقها بحكمة.

في العام 1978 كنت قد أعدت إطلاق شركتي «بروموسِفِن» مجددًا في البحرين، وازدهرت أعمالها في السنوات اللاحقة، وكنت أقوم بتحول الكاش إلى حسابي البنكي لكن دون أن ألقي نظرة على رصيدي النهائي، وبعد سنوات قليلة اتصل بي مدير البنك طالبًا مني مقابلته على غداء، وفعلاً ذهبت إليه وأنا مستغرب طلبه صراحة.

خلال الغداء بادرني بسؤال لم أكن متوقعه، قال «هل تريد أن تكون سيدًا أم خادمًا للمال»، قلت له: «ما الذي تريد قوله هنا»؟ فتابع «لقد أصبح في حسابك البنكي الآن مليون دولار، وعليك أن تفكر جيدًا في ذلك من الآن فصاعدًا، فإما تستثمر هذه الأموال لتكون عونًا لك على التوسع في الأعمال وخدمة الناس من حولك، وإما تصبح أسيرًا لها لتكون مجرد أرقام تشغل تفكيرك طوال الوقت».

لقد كان الرجل خبيرًا بالفعل، وساعدني على تحديد موقفي من المال منذ ذلك الوقت، فامتلاك مبلغ مليون دولار في تلك الأيام من قبل رجل لا زال في ريعان شبابه وعنفوانه مثلي ربما يحرفه عن الطريق القويم ويغريه للغرق في الملذات والغرور، لكني حرصت على ألا أكون كذلك أبدًا.

بواسطة akmiknas

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s