لماذا.. لماذا؟!

3-LO_1196

اسمحوا لي أن أكرر سؤالا ربما يتردد منذ خلقت البشرية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، سؤال بسيط حتى يبدو أنه طفولي وساذج: لماذا الحروب؟ لماذا يقتل الإنسان أخاه الإنسان؟ لماذا كتاب «فن الحرب» الصيني لا زال يحقق أرقام مبيعات قياسية رغم مرور أكثر من ثلاثة آلاف عام على صدوره؟ ألم نتعلم الدرس من قابيل الذي ندم أشد الندم على قتله أخيه هابيل حتى أنه هام على وجهه لا يعرف كيف يدفنه؟

إن عقلي لا يستطيع أن يرى أسبابا لقنابل ذكية، وبوارج حربية وأساطيل طائرات عسكرية وصواريخ بالستية تكلف مليارات المليارات، فيما عدد الجياع حول العالم يزداد، والأمراض تفتك بملايين البشر، والأنكى من ذلك أن ثمن هذه الأسلحة المكلفة تدفعها بعض الدول من قوت شعبها لتستخدمها ضده عندما يطالب بحقوقه.

التاريخ يجب أن يكون حضارة وعمران، وليس معارك وحروب، والأبطال الحقيقيون هم العلماء والمهندسون ورواد الفضاء والأطباء والقادة الحكماء وغيرهم ممن يجعلون حياتنا كبشر أكثر سهولة ورفاهية، ويوفرون مظلة حماية لنا ولمستقبل أولادنا من بعدنا، وليس قادة المعارك ومشعلي الحروب المتعطشين للسلطة وسفك الدماء والطامعين بخيرات غيرهم من الشعوب، حتى لو كانوا بحجم بسمارك أو نابليون بونابارت.

لقد خرجت طلائع الفاتحين المسلمين من شبه الجزيرة العربية، خاضت حروبا، وهذا صحيح، وربما كان ضروريا في وقت من الأوقات، لكنها مهدت لحركة بناء وتعمير سادت خلال العصور الأموية والعباسية والسلجوقية والمملوكية والفاطمية اللاحقة، وفي مدن القاهرة ودمشق وبيروت جفت الدماء لكن مساجد كالأزهر والأموي بقيت، وكذلك القصور والمتاحف والبيوتات الأثرية، لتقدم شواهد حية على العمران وليس الدمار.

الدولة العثمانية أيضا بدأت توسعها من خلال الحروب، لكن الحق يقال، إنها مرت بفترات ازدهار وعمران، قبل أن ينخرها الترهل والفساد وتصبح مهمتها فقط جباية الأموال من الناس وسوق أبنائهم للحروب، عندها أصبحت رجلا مريضا يطمع في تركته كثيرون حوله، لتأتي الحرب العالمية الأولى وتطلق رصاصة الرحمة على آخر سلسلة سلاطين بني عثمان.

لبنان كأرض شهد تعاقب حضارات كثيرة. الفينيقيون الذين اشتهر بهم واشتهروا به لم يكونوا أهل حرب، بل أهل تجارة، حيث تمكنوا من تحويل البحر المتوسط إلى بحيرة سلام تسودها تجارة الأخشاب وغيرها، وحتى الأمم اللاحقة التي عاشت في لبنان أو غزته أو وصلت إليه، بمن فيهم الفرس والأتراك والفرنسيين، رحلوا جمعيا، وبقيت فقط آثارهم العمرانية.

انظر إلى خريطة العالم، وأرى الأمريكيتين الشمالية والجنوبية وأستراليا وأفريقيا وأجزاء واسعة من آسيا يسودها سلام واستقرار منذ عشرات السنين. منطقتنا فقط، منطقة الشرق الأوسط، هي منطقة الفتن والاضطرابات والمعارك والحروب، وما فترات السلام التي تشهدها إلا استراحة محاربين واستعدادا لخوض حرب جديدة.

لقد شهدت منطقتنا حروبا وأزمات مديدة وعديدة منذ عدة عقود، وكلفت دولنا أثمانا باهظة يصعب حصرها، ولم تتمكن في حل المشكلة التي أشعلت لأجلها، فإسرائيل لا تزال قوية رغم الصراعات المسلحة التي نشبت ضدها، والنظام الثوري الإسلامي لا يزال قائما في إيران ولم يتمكن بدوره من الانتصار في حربه الطويلة ضد صدام حسين، وحرب الخليج الثانية وإن حررت الكويت فقد أبقت النظام البعثي الصدامي لأكثر من عشر سنوات لكي تُشعَل حربا أخرى للإطاحة بهذا النظام، وما تمخض عنها من تمزيق العراق وتمكين إيران فيها، عكس ما كان يتصوره كل عربي ساند غزو العراق، وكذلك الحرب التي تدور في اليمن منذ أكثر من أربع سنوات بعد أن سيطر الحوثيون على هذا البلد العربي، والحرب في سوريا وعليها أيضا.

قرأت استطلاعا للرأي جاء فيه أن نصف أبناء جيل الألفية تقريبًا يرجحون اندلاع حرب عالمية ثالثة خلال فترة حياتهم، أو وقوع هجوم نووي خلال العقد المقبل، مع توجهات مقلقة تشير إلى عدم احترام القيم الإنسانية الأساسية المكرسة في القانون الدولي، لكن ثمة بارقة أمل ما زالت تلوح في الأفق لأنه يعتقد أبناء جيل الألفية اعتقادا راسخا أنه يمكن تجنب معظم الحروب ويعتقدون أنه ما زالت هناك حاجة إلى فرض قيود على طرق خوض الحروب.

لكن يبقى أملنا الوحيد الآن هم الشباب المثقف المنفتح على العالم والذين يصعب استلاب عقولهم سياسيا ودينيا، ولا يمكن خداعهم بنفس الأسلوب الذي خُدع به آباؤهم وأجدادهم، فكما يقال: «قد تتمكن من خداع بعض الناس كل الوقت، وقد تتمكن من خداع كل الناس بعض الوقت، لكن لن تتمكن من خداع كل الناس كل الوقت».

وأسأل، من هي الدول الناجحة اليوم؟ لا أعتقد أن الولايات المتحدة الأمريكية والصين وروسيا وحتى فرنسا في القائمة، وإنما دول مثل الدول الإسكندافية: السويد والنرويج والدنمارك، ودول وسط أوروبا: سويسرا وبلجيكا، وأضيف إليها من منطقتنا دول الخليج العربي وخاصة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية ومملكة البحرين. والسبب في ذلك عدم وجود أطماع لهذه لهذه الدول خارج حدودها، فهي لا تملك من الجيوش والتسليح إلا ما تحتاجه للدفاع عن نفسها، واتجهت نحو التنمية ورفع مستويات رفاهية شعبها.

الزعماء في هذه الدول لا يكسبون شرعيتهم واحترامهم من خلال تخويف الناس، بل محبتهم، ويضعون قضايا شعبهم الأساسية في الصحة والتعليم والإسكان وفرص العمل في مقدمة أولوياتهم، ولديهم رؤى واضحة بشأن المستقبل والتنمية، ومعيار بقاء أو تسريح المسؤولين في دولهم من وزراء وغيرهم ليس الطاعة العمياء بقدر ما هو إخلاصهم لوطنهم وفي عملهم وقدرتهم على النهوض بمسؤولياتهم وتلبية طلبات الناس وتحقيق تطلعاتهم.

في لبنان وسوريا والعراق وغيرها من الدول الفاشلة لا يمكن أن نلقي باللائمة على أعدائنا بعد أن فتحنا حدود دولنا وأصبحت أرضنا مشاعا للدول الكبرى والإقليمية التي تتحارب على أرضنا ومن خلالنا، ولا يجب أن ننتظر مساعدة من أحد، لا من فرنسا ولا أمريكا أو روسيا أو غيرها. ربما تكون مساعدة الأشقاء في الخليج فقط هي المساعدة المطلوبة والمرحب بها، وآن لنا أن نفهم كيف نعيش ونعمر هذه الأرض، والمثل يقول «ما حك جلدك مثل ظفرك».

بواسطة akmiknas

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s