نشوة الانتصار.. والحقيقة المرّة

3-LO_1196

هل تريد إسرائيل القضاء بشكل كامل على حركة حماس في قطاع غزة؟ قطعًا لا. هذا ليس رأيي الشخصي فقط، بل أيضًا كلام عدد من محللي وزارة الدفاع الإسرائيلية بقولهم «نرغب في تكسير عظامهم (حماس) دون سحقهم نهائيا»، حيث إن تعامل إسرائيل مع حماس في غزة يضع تل أبيب في مأزق استراتيجي، فينبغي عليها فرض القوة الكافية لردع حماس للتوقف عن الهجمات من جهة، لكن عليها كذلك ألا تستخدم القوة المفرطة التي تؤدي إلى الإطاحة بالنظام من جهة أخرى، تمامًا كما هو مأزق الولايات المتحدة مع نظام كوريا الشمالية، أو مع النظام السوري وغيره من الأنظمة المارقة.

هذا ينقلنا إلى استنتاج آخر مهم، هو أن قادة إسرائيل لا يتطلعون أبدًا لتحقيق نصر حاسم في غزة، حيث إن إسقاط حماس يضع إسرائيل أمام خيارين لا تريدهما، إما ظهور منظمة أكثر تطرفا لحكم قطاع غزة، أو تلاشي التيارات المتشددة وبالتالي تمكن السلطة الفلسطينية من بسط حكمها على القطاع، وبالتالي نزع ذريعة الإرهاب عن الفلسطينيين، وهذا مخالف لما سعت إليه إسرائيل في اتفاقيات أوسلو عندما أرادت لحركة حماس أن تحكم وتتحكم بقطاع غزة وعبر صناديق الانتخابات حينها، وهذا ما حدث بالفعل، وساد الشقاق الصف الفلسطيني وتفرق أخوة الكفاح، وكان لإسرائيل وداعميها في واشنطن والغرب ما أرادوا.

الاستنتاج الثالث الذي يمكن بناؤه على الاستنتاجين السابقين، وهو أنه ينبغي على دول أخرى مثل إيران وحركات مثل حزب الله في لبنان إدراكه عدم التقليل من شأن إسرائيل وجيشها، فإسرائيل تواجه مأزق عسكري عملياتي في غزة عندما تحارب على تخومها قوة عسكرية ضعيفة وغير نظامية لكنها مختبئة تحت الأرض وذات قدرة تكتيكية عالية. هذا التحدي لن تجده إسرائيل في حرب مع دولة مثل إيران، وإيران تعرف ذلك جيدا، لذلك تقاتل طهران إسرائيل عبر وكلاء في لبنان وفلسطين وسوريا، دون أن تتضرر فيما لو مسحت إسرائيل تلك الدول عن الوجود.

إن صواريخ حماس العبثية أثارت الكثير من الغبار الذي غطى على القصة الأساسية، وهي قيام إسرائيل بتهجير عائلات فلسطينية من حي الشيخ جراح في القدس الشرقية المحتلة، ثم إغلاق باب العامود بداية شهر رمضان والاعتداء على المسجد الأقصى من جانب المستوطنين اليمينيين المتطرفين تحت حماية شرطة الاحتلال الذين دخلوا في معركة غير متكافئة مع المصلين الفلسطينيين العزل، والإعلان عن تنظيم فعالية ضخمة يقتحم من خلالها أكثر من 30 ألفًا من المستوطنين باحات المسجد في ليلة القدر.

وتسبب العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة بفاتورة باهظة من الدماء الفلسطينية وسط اتهامات متبادلة بين إسرائيل وحماس عن المسؤولية، ولم تتوقف إسرائيل إلا بعد أن تعرّضت لضغوط كبيرة ليس من صواريخ المقاومة، وإنما من الرأي العالم العالمي والإدارة الأمريكية تحديدًا. لكن ما معنى أن انتصر في حرب يسقط فيها أكثر من مئتي فلسطيني مقابل عشرة إسرائيليين؟ ولماذا أقنعنا أنفسنا أن الإنسان العربي رخيص لهذه الدرجة؟

لكن بالمقابل ربما يكون ما حدث أخيرًا في قطاع غزة فرصة يستطيع العرب استثمارها بشكل جيد من أجل وقف الاستيطان وإنهاء الاحتلال وتحقيق السلام، وإيقاظ قادة إسرائيل من أحلامهم التوسعية.

لم تقدم لنا حروبنا مع إسرائيل منذ أكثر من سبعين عاما أية فائدة تذكر، والمناسبة الوحيدة التي لم تكن نكسة ولا نكبة هي حرب أكتوبر 1973، استعادت مصر قناة السويس لكن سوريا خسرت مزيدًا من الأراضي، واجتاحت إسرائيل لبنان في 1982 وزادت من تفتيته ومعاناته، بل وخلقت أرضية مواتية لظهور ميليشيات طائفية مدعومة من الخارج مثل حزب الله، وفي حرب تموز العام 2006 دمرت أكثر من ثلث بيروت، وأجبرت حزب الله على التراجع لما وراء نهر الليطاني، لكن الحزب اعتبر وصف ما حدث بأنه «نصر إلهي». يا إلهي، إذا كان هو النصر فيكف هي الهزيمة؟

إن بقاء حالة اللاسلم واللاحرب مع إسرائيل كبَّد الدول العربية خاصة «دول الطوق» خسائر اقتصادية جسيمة، وفوَّت عليها عقودا من التنمية، وفتح الباب أمام انقلابات عسكرية أوصلت دكتاتوريين للسلطة، خنقوا الحريات والناس وأفقروهم واستنزفوا مقدرات البلاد بدعوى محاربة إسرائيل وتحرير الأرض ومقارعة الاستعمار، واستغلوا ذلك من أجل بقائهم في السلطة وإسكات وسحق أي صوت أو حركة مناهضة لهم.

نحن في الشرق نغِّلب العاطفة على العقل، أو كما قال نزار قباني «صراخنا أضخمُ من أصواتنا وسيفُنا أطولُ من قاماتنا»، وفي كل معركة مع إسرائيل نستخرج ما في جعبتنا من ردّات فعل مكررة وبالية، نبث أغنية «وين الملايين»، وربما فيلم علم المتختار، ونستهزئ من جامعة الدول العربية، وندعي على اليهود في صلواتنا.

أذكر أنّي قرأت قصة حول مواطن ياباني رفض شتم الولايات المتحدة بعد أن هزمت بلاده وقصفت مدينتي هيروشيما وناكازاكي، كان برغماتيا لدرجة أنه ضحك وقال: لقد غلبتنا أمريكا، وما من طائل من استحضار أراح طياري الكاميكازي الفدائيين أو الانتحاريين سمهم كما شئت، والأفضل أن نضع يدنا بيد أعدائنا، ونعمل معًا لنبني مستقبل أفضل لنا ولهم وللبشرية، وهذا ما حدث بالفعل.

لذلك من المؤسف أن نسمع بعض الأصوات الشواذ خلال الأحداث الأخيرة تتهم دول الخليج العربي بالتخاذل، وتستغل التعاطف العربي مع الفلسطينيين لا لشيء سوى للنيل من سمعة تلك الدول. وأقول لهؤلاء الحمقى أصحاب المشاريع المتطرفة أو قصار النظر والمغرر بهم إن الخليج العربي أصل العروبة والإسلام، وأهله يفتخرون بعروبتهم، بل ببداوتهم، ولا يتنصلون منها كما يقول بعض سكان الدول العربية بأنهم فينيق أو سريان أو آشوريين.

لن ننتصر لقضايانا العربية الملحة إلا بعد أن ننتصر على تخلفنا وجهلنا وفقرنا، ونشهد نهضة شاملة لجميع مجالات التنمية العلمية والفكرية والبحثية والصناعية والاقتصادية وغيرها، تمامًا كما تفعل دول السعودية والإمارات والبحرين حاليًا التي باتت موطنًا عالميًا للتجارة والتكنولوجيا وها هي تتجه نحو الفضاء عبر مشروعات مثل «مسبار الأمل» وغيرها.

بواسطة akmiknas

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s