المرأة نصف الحاضر وكلّ المستقبل

لعلّ مملكة البحرين من الدول القلائل حول العالم التي تملك تجربة ثرية متميزة في مجال دعم المرأة، تجربة أساسها ثقة جلالة الملك المفدى حفظه الله ورعاه بقدرة المرأة البحرينية على الإنجاز والعطاء والمساهمة في تنمية ذاتها وأسرتها ووطنها، ثم وجود مؤسسة المجلس الأعلى للمرأة برئاسة صاحبة السمو الملكي الأميرة سبيكة بنت إبراهيم آل خليفة قرينة العاهل المفدى، وهي المؤسسة التي تمكنت بالفعل على مدى عقدين من الزمن من بناء منظومة دعم شاملة للمرأة، وإحداث نقلة نوعية في مسيرتها.

ويأتي الإعلان عن مناسبة يوم المرأة البحرينية هذا العام «المرأة في مجال التنمية» برعاية من أعلى سلطة في البلاد، جلالة الملك ذاته، كبرهان جديد على المكانة الرفيعة التي أولتها القيادة البحرينية للمرأة، ورسالة حضارية للعالم أجمع مفادها الإعراب عن فخر مملكة البحرين بما وصلت إليه نساؤها من مكانة متميزة في جميع القطاعات وعلى مختلف المستويات.

لقد انتقلت مملكة البحرين من مرحلة تمكين المرأة عبر توفير برامج حماية ودعم خاصة بها، إلى مرحلة تقدم المرأة اعتمادا فقط على إمكاناتها وقدرتها على العمل والإنجاز في وسط يسوده مبدأ تكافؤ الفرص والتوازن بين الجنسين، وهو مبدأ يكرس المساواة بين المواطنين كما نص عليها الدستور، لا يعطي حقوقا للرجل على حساب المرأة، ولا للمرأة على حساب الرجل.

وكم أنا معجب بإصرار البحرين على ألا يكون هناك امتيازات خاصة للمرأة على الرجل وفقا لما يسمى بنظام «الكوتا»، بل تهيئة الأرضية المواتية لتنافس عادل بين المرأة والرجل، والأجدر بينهما هو من يترقى ويتطور ويفوز، وقد شهدنا بالفعل نماذج عديدة على نجاحات واسعة للمرأة اعتمادا على ذاتها فقط، لعل أبرزها فوز امرأة برئاسة أعلى سلطة تشريعية في البلاد، مجلس النواب، وحصولها على ثقة الناخبين لدخول المجلس ثم ثقة زملائها النواب لترؤسه، دون أن ننسى أن هذا يدل أيضا على تحضر المجتمع البحريني الذي يعطي صوته للمرشح الأفضل بصرف النظر عن جنسه رجلا كان أو امرأة.

لا بد هنا أيضًا من الإشادة بالرجل البحريني المتحضر، الأب والأخ والزوج والزميل والرئيس والمرؤوس في العمل، الذي يقبل وجود المرأة في الحياة العامة بكل صدر رحب، بل ويبذل كل ما في وسعه لدعمها ودفعها للارتقاء بنفسها علميا وثقافيا وعمليا، ولا يغار من نجاحها، حتى إنني أعرف رجالا يتقاسمون مع زوجاتهن أعباء المنزل ورعاية الأطفال بفخر، بل ربما يقومون وحدهم بتلك المهام فيما لو انشغلت الزوجة بعمل أو سفر.

فعندما نحرم المرأة من المشاركة في العمل لمجرد أنها امرأة، وتحت أية ذرائع اجتماعية مثل الحفاظ على الشرف والرجولة، أو دينية مثل قول إن صوت المرأة عورة، أو شخصية خوفا من تفوق المرأة علينا، فإننا نعمل ضد الطبيعية التي بنيت أساسا على وجود امرأة ورجل يتكاملان مع بعضهما البعض لضمان استمرارية البشرية، فلولا حواء لما استطاع آدم أن يفعل شيئا بمفرده، كما أننا نهدر فرصا كبيرة في التنمية عندما نعطِّل نصف المجتمع عن العمل والإنجاز.

المرأة البحرينية لم تكن يومًا رهنية العادات والتقاليد والثقافات البالية، بل منذ أيام الغوص عندما كان الرجل يذهب لأشهر في رحلة غوص بعرض البحر، تتولى المرأة خلالها ليس مسؤولية رعاية الأبناء والقيام بالأعباء المنزلية، بل تخرج أيضا للعمل في الزراعة وتذهب للأسواق وتقوم بكل ما يقوم به الرجل من أعمال، وما والسيدات البحرينيات الناجحات اللواتي نراهن اليوم هن أحفاد تلك النساء الشجاعات متفتحات الذهن، المتمسكات بالعادات البحرينية الأصيلة دون أن تحد من قدرتهن على العمل والإنتاج.

وأعتقد أن التجربة البحرينية في دعم المرأة تتميز عن نظيراتها في باقي الدول مثل مصر أو تونس أو سوريا أو لبنان في أن من يقوم عليها ليسوا دعاة تحرر وانسلاخ عن الدين أو الإرث أو العادات الأصيلة، فليست مشاكل المرأة هنا التحرر أو الحجاب أو المساكنة أو الاغتصاب أو العنف أو عدم المساواة في الأجور وغيرها من القضايا المجتمعية التي تشكل مقدمة مطالب المدافعات عن حقوق النساء، فالجميع متفق في البحرين على أن الدور الأساسي للمرأة هو تربية النشء تربية صالحة والحفاظ على الاستقرار الأسري والمجتمعي، جنبًا إلى جنب مع نهوضها بأدوار أخرى في مجالات مثل العمل والإنتاج والابتكار وخدمة المجتمع.

فدور المرأة كأم هو ما خُلِقت لتنهض به، والأم ليست مجرد السيدة التي تحمل وتنجب الأطفال، بل هي التي تربي وتثقف وتوعي وتكبر، وتحرص على صحة أولادها النفسية والفكرية والجسدية، وتضمن صلاحهم لبناء مستقبل أفضل لهم ولوطنهم، وهو دور لا يستطيع الرجل مهما كان أن يقوم به كما تقوم به المرأة، فالأم المثقفة تخلق جيلا مثقفا فاعلا معطاء، أما الأم الجاهلة فتخلق جيلا منغلقا هدَّاما يودي بنفسه وبمجتمعه ووطنه في الهاوية، لذلك أقول إن المرأة نصف الحاضر وكل المستقبل.

دور المرأة العاملة مهمة جدا أيضا، حيث إن عمل المرأة يسهم في تحسين المستوى المالي والوضع الاجتماعي لها ولأسرتها، لهذا يجب توفير بيئة عمل داعمة للمرأة وتراعي خصوصيتها، بما في ذلك توفير بيئة عمل إيجابية متقبلة وداعمة للمرأة، وحظر تشغيل النساء في المهن والأعمال الصناعية التي تعرضهن إلى الأخطار والأضرار، وتوفير حراسات أمنية كافية أو نظام أمني إلكتروني مناسب لكل المنشآت المشغلة للنساء، وتوفير أطر لحماية النساء من التحرش، وغير ذلك.

أعتقد أنه كلما تحررنا من رواسب النظرة الدونية للمرأة استطعنا تسريع معدلات الإنتاجية والتنمية وتطور الأمة والمجتمع، والمرأة ساهمت عبر التاريخ وتساهم في مسيرة تقدم الإنسانية، في الاختراعات والطب والفضاء والسياسية والرياضة وحتى الحياة العسكرية، ولا يجب أن ننسى أن أوغروا شاهين مخترع لقاح فايزر الذي تعول عليه الإنسانية كأحد اللقاحات الفعالة ضد كورونا أقر بفضل زوجته أوزلام توريجي في اكتشاف هذا اللقاح. هل عرفتم الآن كيف يمكن للمرأة أن تنقذ العالم؟

بواسطة akmiknas

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s