الخوف يقتلنا

علّمتني الحياة ألا أخاف، ليست عنتريات مني أو إظهار شجاعة في غير موطنها، لكن لأنني عرفت أن تكلفة المغامرة والجرأة والإقدام ربما تكون عالية لكنها ليست أعلى من تكلفة الخوف والركون والتكلس والموت السريري بين الطحالب في الظلام وبين الحفر.

بل إني لا ألقِ إلى مسألة الموت كأجل محتوم كثير انتباه، وأفعل ما بمقدوري لأستمتع بكل يوم وساعة ولحظة من حياتي، في عملي وفي راحتي، وأتوق بنهم إلى يوم آخر أفعل فيه الخير وأواصل فيه التفاعل مع الناس حولي في محيط عملي وعائلتي وأضيف إلى قائمة معارفي وأصدقائي أشخاصا جدد، وأشكر الله كل يوم على نعمة الصحة والحياة، واعتبر كل يوم إضافي في حياتي هدية منه عز وجل.

عدم الخوف هو الخطوة الأولى نحو تفعيل الطاقات والعطاء، والمثل الإنكليزي يقول: «انت تنال ما تتوقعه»، فإذا توقعت الفشل ستناله، وكذلك النجاح، والخوف ليس مجرد مشاعر داخلية تظهر بدرجات متفاوتة بين البشر، بل الخوف بمفهومه الأكبر هو اطمئنان الناس إلى مستقبلهم ومستقبل أطفالهم، وأنهم يحظون بالحد الأدنى من الأمن المادي والصحي والاجتماعي.

لذلك سرعان ما انهارت «جمهوريات الخوف» التي بناها صدام حسين وحافظ الأسد ومعمر القذافي وغيرهم الدكتاتوريين في الاتحاد السوفيتي ورومانيا وتشيكوسلوفاكيا وغيرها، لأنه لا يمكن بناء دولة مستدامة القوة من خلال الخوف وإرهاب الناس وزرع الشك والريبة بينهم حتى يسهل السيطرة عليهم فرادى.

كان أحد الأساليب المخابراتية المتبعة في «الدول التقدمية» تلك إيهام المواطن أنه محاط بشبكة من المخبرين في كل مكان، في المدرسة والجامعة والعمل والشارع، وأن «الجدران لها آذان»، وأن التزامه الصمت في كل الأوقات يقيه من الوقوع في مشاكل ربما تفضي به إلى غياهب السجون، فكانت النتيجة جموع مواطنين خائفين خانعين، يسيرون في الشارع بوجوه جافة كالآلات، يخشون كل شيء ولا يجرؤون على الإقدام على أية مبادرة من أي نوع، همهم الأول الحفاظ على سلامتهم وتدبر لقمة عيشهم، والهتاف بـ «الروح والدم» فداءً للزعيم، والتظاهر بأن كل شيء على ما يرام، فيما دولتهم تسير نحو الهاوية.

هناك أيضا من يمارس الدكتاتورية الدينية، واعتبر أن هذه أخطر المخاوف التي نعاني منها، فالفاسدون من رجال الدين يحاولون السيطرة على عقول الناس من خلال تخويفهم بالدين وليس ترغيبهم فيه، معتمدين في ذلك على ثلاث ركائز في خطابهم الديني، الأولى هي الزرع في أذهانهم أن الدنيا فانية ولا تساوي جناح بعوضة وبالتالي ليس لحياتنا فيها أي معنى -رغم أن ديننا دين عمل وإعمار للأرض- والركيزة الثانية هي ما ينتظر المؤمنين في الجنة من متع، والركيزة الثالثة والأكثر خطورة هي بث الرعب في النفوس من لقاء الله ومن عقابه ومن أهوال يوم القيامة وسرمدية العذاب بالنار..

هذه الأمور تدفع بعض الشباب للالتزام الديني، وهذا شيء حسن، لكن البعض الآخر يتجاوز ذلك إلى حد التعصب والتطرف وارتكاب أعمال إرهابية، وما حصل للأستاذ الفرنسي ثم المصلين في الكاتدرائية في فرنسا من أعمال قتل بالسكاكين والذبح إلا نموذج على ذلك.

إن تعاليم الدين الإسلامي الحنيف بريئة من ارتكاب الجرائم باسمها، والرسول صلى الله عليه وسلم بريء أيضًا ممن يدافعون عنه عن طريق قتل أو ذبح مخالفيه، فهو لم ينتقم من أهل مكة الذين آذوه، بل قال لهم «اذهبوا فأنتم الطلقاء»، وليكن هذا الموقف هو مثلنا الأعلى في شخصه الكريم، وليس أية شيء آخر.

الأنبياء جميهم «بشَّروا ولم ينفِّروا»، وتطبيقهم لحدود الله كان بهدف إحلال النظام في المجتمع وليس الانتقام، فلا يمكن منع جرائم القتل والسرقة والاعتداء إلا من خلال إجراءات عقابية مناسبة، رغم أننا نقرأ عن الكثير من المواقف التي جرى فيها تقديم الرحمة على العذاب.

الخوف يقتل روح الابتكار والتميز في أطفالنا، ورغم أن الحزم والشدة مطلوبين من أجل التربية السليمة، إلا أنه يجب الحذر من أن التعسف في استخدامها يحولها من أداتي تربية إلى أداتي هدم، وأجواء المحبة والترغيب هي التي يجب أن يسود ضمن العائلة والمدرسة، فربما يكون الطفل في سنواته الأولى منضبطًا ملتزمًا بالتعليمات الصارمة، إلا أنه سيكون أكثر عرضة للانحراف نحو التطرف والتعصب عند أول فرصة، وربما ينفجر في وجه والديه عندما يدرك أنه لم يعد بحاجة لهما.

الخوف يولد الخوف، والحكام الظالمين عبر التاريخ كانوا ينتقمون من أعدائهم بأبشع طريقة ممكنة ليس لشفاء غليلهم، فهم يدركون أن مواصلة تعذيب المناهضين بعد موتهم والتمثيل بجثثهم لن يزيد من آلامهم، لكنهم يريدون من وراء تلك التصرفات إشاعة الخوف ودب الرعب في نفس كل من تسول له نفسه الخروج على الحاكم ومخالفته، وازدياد الابتكار في طرق التعذيب بعد الموت دليل على ازدياد خوف الحاكم من معارضيه ومناهضيه، وعدم قدرته على العفو عنهم.

لست بصدد تقديم دراسة علمية عن دوافع من يرتكبون الفظائع باسم الدفاع عن الدين، فهذا يحدث عبر التاريخ ليس في الدين الإسلامي فقط، وما جرائم الكنيسة التي شهدتها أوروبا في القرون الوسطى إلا دليل على ذلك، لكني متأكد أن الخوف أحد الأسباب الكامنة وراء تلك الجرائم، فالإنسان الشجاع يستطيع الثبات على معتقداته وآرائه، والتحكم بردود أفعاله، وعدم الانجرار إلى دوامة العنف والانتقام.

الخوف أحد الأسباب التي دفعت الرئيس الفرنسي ماكرون نفسه لبدء سلسلة العنف في فرنسا عندما صرح عن خوفه على مستقبل بلاده من الإسلام الراديكالي وقال إن الإسلام في أزمة، ثم غرَّد بالعربية أنه ثابت على مواقفه، وعاد ليتراجع بشكل أو بآخر تحت وطأة الخوف أيضًا، الخوف على بلده والخوف على قاعدته الانتخابية ومستقبله السياسي.

واثق الخطوة يمشي ملكًا، وأحمد الله تعالى عن نعمة العيش في البحرين في ظل قيادة جلالة الملك الذي لا تفارق الابتسامة محياه، فهو يبث فينا الأمل مهما ارتفع موج الأزمات، ويبدد في داخلنا مشاعر خوف وقلق، ولا أدل على ذلك من تعامل مملكة البحرين بقيادة جلالته وجهود سمو ولي العهد مع جائحة كوفيد-19، حيث عاد الخوف والرعب ليدب في أوروبا من جديد، فيما نحن نواصل حياتنا بأقصى قدر ممكن من الأريحية والشجاعة.

بواسطة akmiknas

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s