واللبنانيون أيضًا لا يستطيعون التنفس

العالم الغربي المتمدن ينتفض حاليا رفضا للتميز العنصري في حراك متواصل أطلق شرارته مقتل جورج فلويد خنقا تحت قدم أحد أفراد الشرطة الأمريكية، والمطالب والهتافات التي يرفعها وينادي بها المتظاهرون محقة في معظمها، إذ ليس من المقبول ابدا انتهاك كرامة أي إنسان مهما كان السبب عرقيا أو دينيا أو غيره.

لكن ماذا عن خنق شعوب بأكملها -في لبنان وسورية واليمن وغيرها- تحت أقدام زعماء سياسيين لا هم لهم سوى إحكام قبضتهم على السلطة وفرض نهجهم وأيديولوجيتهم حتى لو كان أدى ذلك إلى إفقار وتجويع وتمزيق أوطانهم؟

أتابع الاحتجاجات والمظاهرات في لبنان حاليا، وأشعر بالأسى والحزن على ما آل إليه حال هذا البلد الذي كان في يوما من الأيام “سويسرا الشرق” و”قطعة سما” وحاملا لنبراس الحضارة في المنطقة ومَنبَتًا لشعراء ومفكرين ورجال علم وسياسية وأدب وفن وصل صيتهم إلى مختلف أصقاع الأرض.

لقد شاهدنا مظاهرات في شوارع بيروت تطالب بالعيش الكريم والحريات ونزع سلاح حزب الله، وهذا أمر منطقي ومفهوم، لكن ما هو غير المنطقي وغير المفهوم، بل والمخزي والمعيب أن يتم الرد على هذه المظاهرات من قبل شباب لبناني في الشارع المقابل بشتم السيدة عائشة!.

لبنان قائم على الاختلاف، واللبنانيون تعودوا هذا الشيء، لكنهم تعودوا أيضا على الحوار، على مقارعة الفكر بالفكر، وعلى الدفاع عن رؤيتهم بالحجة والمنطق، وحتى الحرب الأهلية اللبنانية يمكن فهم أسباب ودوافع كل طرف فيها، ربما كان يقاتل لحماية وجوده أو لفرض رؤيته، لكن طرفا من الأطراف لم يشتم الرموز الدينية لطرف آخر، بشكل علني على الأقل.

ما هو المستوى الفكري والثقافي والبعد النضالي والمطلبي لدى هؤلاء الشباب الذين يشتمون السيدة عائشة في شوارع بيروت؟ ما هو مشروعهم السياسي الذي يدافعون عنه؟ هل فعلا يمتُّون إلى جيل العملاقة اللبنانيين من مفكرين وأدباء وسياسيين بصلة؟ أم أنهم مجرد غوغاء مُسيِّرين مسلوبي الإرادة والتفكير؟

اعتقد أن اللوم الأكبر لا يقع على هؤلاء الشباب الذين لا نعرفهم أساسا، لكن على قادتهم الذين يُحرِّضونهم ويدفعونهم إلى الشوارع، ولا يكفي أن يتنصل أولئك القادة من شتم السيدة عائشة، بل أن يتوقفوا عن زرع المفاهيم والإيديولوجيات الفاسدة في أذهانهم، وأن يعلمونهم أنه لا يمكن لطرف من الأطراف الاستئثار بكل لبنان وإقصاء المختلفين معه، كما يجب عليهم ألا ينظروا إلى مصلحة ومستقبل طائفتهم أو فئتهم بشكل منفرد ودون الأخذ بالاعتبار مصلحة ومستقبل من يفترض أنهم أخوتهم في الوطن.

إن سلاح المقاومة الذي تم تحويله بوصلته من الخارج إلى الداخل يضغط على رقاب اللبنانيين تماما كما ضغطت قدم الشرطي الأمريكي ديريك شوفين على عنق جورج فلويد، واللبنانيون يستغيثون الآن بصوت خافت “لا نستطيع التنفس”، وإذا أردت أن تعرف من خطف لبنان التاريخ والسياسية والاقتصاد انظر إلى الشارع الآن، ستعرف خرج احتجاجا على الواقع الاقتصادي المتردي، ومن خرج ليسكت تلك الأصوات، فيما وقفت القوى الأمنية الخائفة في الوسط منعا للاحتكاك وليس لرد من يتجرأ على لبنان.

لقد فقد الإنسان اللبناني حريته منذ زمن طويل، وأكثرنا حرية وجرأة يعلم أن هناك مسدسا خفيا -حقيقيا أو افتراضيا- مسلطا على رأسه، قد يُقتَل به بطرق عديدة، من بينها التجويع أو التشهير أو الحرمان من الحقوق أو الاستيلاء أو الاغتيال والنسف والتفجير، كما حصل مع رفيق الحريري وغسان تويني وسمير قصير وجورج حاوي وغيرهم الكثير.

ديمقراطية لبنان من نوع مختلف، إنها ديمقراطية السب والشتم والتخوين، فأنت محصور في الدائرة الضيقة للطائفة أو المنطقة أو عطاءات الزعيم، هذه ليست ديمقراطية، إنها التسلط بحد عينه والتفرد بالقرار تحت غطاء ديمقراطي مزيف.

لقد نعيت في مقالي مؤخرا جامعتي، الجامعة الأمريكية في بيروت، لأني متأكد أن الحجر والتاريخ لا يكفيان لإعطاء العلم والثقافية، بل الإنسان الذي يتمتع بحرية الفكر التي تقوده للخلق والابداع. والجامعة تمر حاليا بأزمة مالية خانقة، ولقد فكرت بالتبرع لها، ولكني عدلت عن رأيي. سألت نفسي: هل أتبرع لها ثم يأتي غيري ليسيطر عليها بشكل منفرد؟. أنا في الواقع أخاف حينها أن أكون أحد المساهمين في تقديم الجامعة لقمة سائغة لأولئك الذين يعملون لفرض سيطرتيهم عليها، وتسيرها لتصبح أداة بيدهم للتسلط على أفكارنا وثقافتنا وحضارتنا، ولتصبح جزءا من حاضرهم ومستقبلهم هم وحدهم.

إن الجامعة الأمريكية في بيروت جزء من حضارة لبنان التي باتت كلها في مهب الريح بسبب المناكفات السياسية العبثية بين زعماء لبنان الذين اضطروا أن يقبلوا بالأمر الواقع ويسايروا الوضع ليبقوا في مناصبهم، وأنا حزين عليهم كما أنا حزين على كل حر في لبنان لأني أعلم بأنه ليس حرا، فلا الصحافة حرة ولا البرلمان حر ولا المسؤولين أحرار.

جميعنا فخورون في كيفية مواجهة الحكومات في دول الخليج العربي وفي البحرين تحديدا لجائحة فايروس كورنا “كوفيد19″، وكيف أظهرت هذه الأزمة حرص قيادتنا في البحرين على صحة المواطن ووقايته وتوفير كل ما يلزم لضمان تمتعه بالعيش الكريم، وكيف تعمل الأجهزة الحكومية والمؤسسات بكفاءة وتناغم لأجل ذلك، لكن في دول فاشلة مثل لبنان فاقمت هذه الأزمة من مصائب الناس بقيادتهم، وكأنما “تكسرت النصال على النصال”.

في أكتوبر الماضي شكَّل عشرات الآلاف من الرجال والنساء والأطفال اللبنانيين سلسلةً بشرية بطول 107 كيلومترات، من مدينة طرابلس الشمالية عبر العاصمة بيروت إلى مدينة صور الجنوبية. كان الهدف هو إظهار الوحدة الوطنية، وأن العيش بكرامة هو البوصلة، وليس الإيديولوجيات الكبيرة الفارغة كالطبل.

أرى أن اللبنانيين خارج الطبقة السياسية والحزبية متحدين من أجل قيادةٍ وحياةٍ أفضل، الأمر الذي لم يجدوه في أي زعيم طائفي، لذا كان شعارهم “كلن يعني كلن”، فلماذا يتم قمع هذه الاحتجاجات؟ ولماذا اتهام الجياع بأنهم مدفوعين من الخارج؟ ولماذا التلويح بعودة الحرب الأهلية فيما إذا استمرت الاحتجاجات؟

يواجه لبنان اليوم أزمة اقتصادية خانقة، وأزمة نقدية تهدد بالإفلاس التام، والناس لا يريدون حلولاً مؤقتة بعد الآن؛ بل حلولاً طويلة الأجل، وبغض النظر عن اللحظة التاريخية التي يعيشها لبنان اليوم، إلا أننا أكثر تمسكا بالأمل المتجدد والمستقبل، فلبنان يستحق أفضل مما هو عليه الآن، وجمعينا لن نتخلى عن فرصةً جعل لبنان أفضل حقيقة واقعة.

ارفعوا قدمكم عن عنقي، أريد أن أتنفس، لبنان كله يريد أن يتنفس.

بواسطة akmiknas

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s