عمالة سائبة أم صائبة؟

أنظر اليوم إلى ملف العمالة السائبة في البحرين من جميع زواياه، وكل ما قيل ويقال بشأنه، وأرى أن هذه العمالة مثلها مثل أي مورد آخر، كالنفط ومياه الأمطار والموقع الجغرافي، إما أن نستخدمها ونستثمرها بذكاء وحكمة في خدمة التنمية المستدامة، وإما أن ندعها تتحول لمصدر خطر ويصبح ضررها أكثر من نفعها.

نحن نريد من العامل الأجنبي أن ينتج وأن يلتزم بالتعليمات وأن يكون مُقيما صالحا، وهذا حقنا عليه، لكن هناك سلسلة طويلة من الأسئلة علينا الإجابة عليها قبل ذلك: هل نحن بحاجة إلى هذا العامل أساسا أم أننا أحضرناه للبحرين لنبيعه سجلا تجاريا أو فيزة العمل ثم نتبرأ منه؟ وفي حال كان يعمل لدينا بالفعل بشكل نظامي فهل وفرنا له مقومات الحياة الأساسية من راتب شهري مقبول ومسكن ومأكل؟

أنا لا أدعي المثالية وعدم الواقعية، لكني أعلم كل العلم أنني عندما لا أوفر للعمال احتياجاته الإنسانية الأساسية أخلق منه قنبلة موقوتة، فالعامل الآسيوي، أو أي عامل آخر، ليس إنسانا من درجة ثانية.

صراحة أعتقد أن هيئة سوق العمل ورثت منذ تأسيسها في العام 2006 عبئا ثقيلا تراكم على مدى عقود، يتمثل ليس فقط عشرات الآلاف من العمالة السائبة التي أحضرها الذين يعرفهم الجميع بـ “تجار الفيز”، بل أيضا في عقلية متجذرة لدى الكثيرين تكاد لا تميز بين العامل أو الموظف أو الخادم الذي يؤدي عمله لقاء أجر معين، وبين العبد الذي تملكه، اشترته واستثمرت فيه ولا تخلص منه إلا بالبيع.

ودخلت الهيئة على مدى السنوات السابقة -ولا زالت- في صراع مرير من أجل تحقيق اسمها “تنظيم سوق العمل”، هذا السوق الذي يأبى التنظيم طالما أن هناك تجارا وأصحاب أعمال لا يتحملون مسؤوليتهم تجاه من يستخدمونهم من موظفين وعمال أجانب.

لست بصدد الدفاع عن أحد أو تبني وجهة نظر أحد، لكن يجب أن أسأل نفسي وأسأل الجميع: ما الذي يمكن أن تفعله أية جهة تنظيمية لسوق العمل إذا كانت ترهق نفسها وميزانيتها في ملاحقة 100 عامل مخالف والقبض عليهم وحجزهم في مناطق الإيواء ثم ترحليهم على نفقتها بالطائرات إلى بلادهم، لتعود بعدها وتجد أن سوق العمل النظامي لفظ 200 عامل إلى سوق العمل غير النظامي؟. هنا كان قرار ما سُمِّيَ بالفيزة المرنة يمثل حلَّا، ربما ليس كاملا، لكنه أفضل الحلول المتاحة على الطاولة، أو لنقل أقلها سوءا.

علينا أن نكون واضحين: العامل الأجنبي لا يدخل إلى البحرين بطريقة غير شرعية من خلال حدود طويلة تصعب مراقبتها كما يحدث بين اليمن والسعودية أو المكسيك والولايات المتحدة أو ليبيا وإيطاليا، كما أنه لا يهبط من السماء بمنطاد، وإنما عبر المطار أو الجسر أو الميناء وفقا لفيزة استقدام نظامية على كفالة مواطن أو شركة.

إذاً ما الذي يحدث بعد ذلك؟ ومن أين جاءت كل هذه الأعداد من العمالة السائبة؟ ولماذا عندما ينتهي عقد العامل الأجنبي لا نعيده إلى بلاده بذات الطريقة التي أحضرناه بها معززا مكرما؟. اعتقد أن الإجابة على هذا السؤال بداية الحل في ملف العمالة السائبة.

يجب أن يتوفر حل دائم من منطلق وطني لمشكلة العمالة السائبة في البحرين، وأن نبتعد عن شخصنة الأمور، وأن نمنح نفسنا فرصة حوار هادئ حول هذا الملف، وتقييم كل التجارب والإنجازات السابقة، والبناء عليها، وتطويرها، والأهم من ذلك كله ألا تسيطر علينا الأهواء والنزوات والغضب عند التعاطي مع هذا الملف.

إن جائحة كورونا الحالية لم تخلق أزمة العمالة السائبة، وإنما ذكَّرت بها وسلطت الضوء على خطورتها، وإن مكمن الخطأ ليس في العامل الوافد، وليس في الأنظمة والقوانين، وإنما في الممارسات الخاطئة أو القاصرة التي لا يمكن تحميل مسؤوليتها لشخص واحد أو جهة واحدة، وإذا كان العالم ما قبل كورونا ليس كما بعده، فإنه علينا في البحرين أن نحرص كل الحرص على ألا يكون ملف العمالة السائبة ما قبل كورونا كما بعده.

بواسطة akmiknas

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s