البنك يربح والتاجر يخسر!

من دواعي السرور أن تسجل معظم البنوك البحرينية معدل أرباح سنوي يتراوح بين 10 و15 بالمئة، لكن هذه الأرباح مهددة بالتراجع في حال لم تخفف المصارف من القيود التي تفرضها على تقديم القروض للشركات والأفراد.

نحن نفهم تماما المخاوف والتحديات لدى البنوك، وحرصها على الالتزام الكامل بكل القوانين والمعايير الصارمة التي فُرِضت في البحرين والعالم بعد الأزمة المالية العالمية في العام 2008، ومن بينها معاير بازل3 التي تفرض على كل مصرف تجميد جزء كبير من سيولته، كما نفهم تخوف المصارف من شبح أزمة أخرى تلوح في الأفق نتيجة الحرب التجارية بين واشطن وبكين، وارتفاع حجم الديون السيادية عالميا إلى مستوى غير مسبوق، وازدياد حاجة الجميع: حكومات وشركات وأفراد للسيولة المالية.

لكن بالمقابل يجب أن يدرك القطاع المصرفي أن مواصلة تحقيقه معدلات أرباح عالية نسبيا يعتمد بشكل أساسي على الحركة والتوسع في باقي القطاعات، في تجارة التجزئة والعقارات والتعليم وغيرها. إنها علاقة تبادلية، ولا يمكن لطرف مواصلة الربح عاما بعد عاما إذا كان الطرف الآخر يخسر عاما بعد عام.

اعتقد أنه آن الأوان لإجراء مراجعة شاملة للعلاقة بين البنك والتاجر، ولا شك فيه أن التاجر لن يستطيع العمل كما يجب وتحقيق النجاح إذا لم يكن لديه بنك شريك يساعده ويدعمه، حتى أن المواطن العادي لن يتمكن من المساهمة في تحريك الاقتصاد بنشاط إذا لم يحصل على قروض مصرفية ميسرة تساعده على شراء منزل أو شقة أو أثاث أو سيارة وغيرها من احتياجات الحياة الأساسية، فالمصارف لديها المال، والمال بالنسبة للاقتصاد بمثابة الدم بالنسبة للجسم، فهو الذي يساعد الأعضاء على البقاء حية تؤدي وظائفها بتناغم كامل.

نحن نرى أن التاجر اليوم بدأ بتخفيض أرباحه حتى يعطي السوق أسعارا تنافسية، وإلا لن يستطيع البقاء في السوق، فإذا كان التاجر البسيط أو محدود الميزانية قادرا على تخفيض أسعار بضائعه وتقليل هامش ربحه، فلماذا لا يستطيع البنك تخفيض فوائده؟ هذا سؤال محير بالفعل!

الفوائد على القروض تنخفض الآن في معظم دول العالم، والفائدة في بعض الدول أصبحت سلبية، بمعنى أن المودعين يضطرون لدفع رسوم للبنك مقابل حفظ أموالهم، وذلك لأن الحكومات تريد تحفيز الاقتصاد وتحريك عجلته، ولا تريد أن تتكدس الأموال في البنوك، ويصبح النشاط الاقتصادي والأرباح وهمية، لأن المال لا يمكن أن يلد مالا.

البنك الاحتياطي الأسترالي خفّض الأسبوع الفائت سعر الفائدة القياسي بمقدار ربع نقطة مئوية إلى مستوى قياسي جديد بلغ 0.75 ٪، وذلك من أجل تحفيز الاقتصاد، وأنا أدرك أن ربط الدينار بالدولار يحد من قدرة مصرف البحرين المركزي على تحريك سعر الفائدة صعودا أو هبوطا، لكن المصارف الخاصة يمكنها ذلك بسهولة.

لقد طلبت الحكومة الموقرة من البنوك البحرينية بحسب علمي توفير تسهيلات مصرفية للشركات البحرينية، خاصة الصغيرة والمتوسطة التي تشكل أكثر من 95% من مجموع المؤسسات التجارية في البحرين، ولكن تلك البنوك لم تتفاعل مع هذا الطلب كما يجب، ولا زالت شروط القروض لديها صعبة، حيث يجب أن يكون تاريخ الشركة طالبة القرض طويل، وأن تكون رابحة، وأن يكون لديها ضمانات كبيرة وكثيرة..، ونحن نعلم تماما أن معظم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة لا تستطيع تحقيق كل تلك الاشتراطات، ثم نسأل أنفسنا: لماذا تخرج كثير من تلك المؤسسات من السوق؟ الجواب بسيط: لأنها لم تحصل على التمويل اللازم للحفاظ على استمراريتها ونموها.

السيولة متوفرة بكثرة في خزائن البنوك البحرينية، وقد بلغت موجودات القطاع المصرفي أكثر من192 مليار دولار أمريكي في نوفمبر الماضي بحسب إحصائيات مصرف البحرين المركزي، فلماذا لا يتم تحريك هذه الأموال كما يجب وضخها في شرايين الاقتصاد الوطني؟

المفارقة هنا هي أنه عندما تطرح مشاريع البنية التحتية العملاقة في البحرين، مثل توسعة مصفاة بابكو أو مرفأ الغاز المسال أو الخط السادس في ألبا، لا نجد أن كثيرا من المصارف البحرينية تتشجع للدخول في تمويل هذه المشروعات الوطنية مضمونة العوائد.

جانب من المشكلة يكمن برأيي في قلة الجرأة لدى القائمين على القرار في هذا البنك أو ذاك، وقد سمعت من أكثر من رئيس بنك تنفيذي أنه يعمل بجهد من أجل اقتصار أعمال بنكه على نشاطين فقط: الاستلاف والتسليف، أو الإقراض والاقتراض، كما تبحث البنوك عن أكثر الاستثمارات أمانا فتلجأ إلى شراء سندات الخزينة الحكومية ذات العوائد المضمونة 100% مثلا.

اعتقد أن أمام البنوك البحرينية حتى تستعيد دورها الرائد خليجيا وإقليميا حل واحد، هو الاندماج، ومن غير المقبول أن تبقى تلك البنوك تعيش على أمجاد الماضي وتتنافس فيما بينها على اقتسام جزء من كعكة السوق المحلي الصغيرة، والتي ينافسها عليها مصارف إقليمية كبيرة أيضا.

وقد سمعت مرة من مسؤول مصرفي كبير أنه ما من عائق يقف أمام اندماج بنوك في مملكة البحرين سوى اختلاف عقليات مجالس إدارتها، والرغبة في الزعامة والاستقلالية، ذلك رغم أن مصرف البحرين المركزي وجمعية مصارف البحرين يشجعان على عمليات اندماج المصارف.

المصارف في البحرين عليها أن تنتبه أيضا لمنافسة غير المصارف لها في توفير السيولة المالية، مثل عمليات التمويل الجماعي Crowdfunding التي نشطت وأصبحت مرخَّصة في دول مثل الإمارات، حيث تتوفر منصة إلكترونية يضع فيها المستثمرين أموالهم من جانب ويحصل المقترضين على قروضهم من الجانب الآخر بيسر وسهولة، وهذا يلغي دور البنك تماما، كما أن شركات التقنية بدأت بمنافسة البنوك في تقديم خدمات التحويل المالي عبر الانترنت ” Fintech”.

لقد تمكنت البحرين على مدى مئة عام مضت من بناء قطاع مصرفي متقدم على مستوى الشرق الأوسط، ونحن نفخر بالمنجزات التي حققها هذا القطاع طيلة تلك السنوات، ووصول مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي لأكثر من 16%، وتوفيره لنحو 14 ألف وظيفة يشغل معظمها بحرينيون على مختلف المستويات الإدارية، واليوم نرى أن هذا القطاع مطالب بدور أكبر في رسم العلاقة بينه وبين التاجر، والتحلي بالمزيد من الجرأة من أجل تحريك السوق وتحفيز الاقتصاد الوطني.

 

بواسطة akmiknas

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s