توازن الرعب

اعتقد أن الرومانسيين والحالمين فقط هم من يعتقدون أن أمريكا ستزيل النظام الإيراني مثل ما فعت مع النظام العراقي. قد يشتد زئير واشطن مع رئيس مثل ترامب، ويخفت مع رئيس آخر مثل أوباما، لكن حالة اللاحرب واللاسلم وتوازن الرعب الذي تخلقه وتغذيه الولايات المتحدة في منطقة الخليج العربي لن ينتهي.

إن جردة لحسابات الربح والخسارة لدى القائمين على الأمر في واشنطن تُظهر ببساطة أنه ليس من مصلحة أمريكا إنهاء حالة التوتر في منطقة الخليج العربي، ووزير الخارجية الأمريكية الأشهر، هنري كيسنجر، يقول صراحة إنه ليس من مصلحة بلاده إنهاء أية حالة نزاع في العالم، وإنما الإمساك بخيوط اللعبة والتحكم بها، وتحريك الخصوم على الأرض، بما يخدم المصالح الأمريكية أولا وأخيرا، بصرف النظر عن الحروب والدماء والأشلاء والفقر والجوع والمرض.

لم تقم أو لم تتمكن أية إدارة أمريكية سابقة من التخلي عن حسابات الربح والخسارة تلك مقابل الإخلاص بالفعل لمبادئ السلام والعدل والمساواة وحقوق الإنسان وغيرها من الأمور الأخلاقية التي يتحدث عنها الساسة الأمريكيون في خطابتهم، تلك الخطابات التي أشاهدها وكأنني أرى رعاة بقر “كاوبوي” لكن بلباس عصري أنيق.

هل نراهن إذاً على ترامب وأنه سينهي خطر نظام الملالي في المنطقة؟ كيف يمكن أن نُقنع أنفسنا بذلك وترامب هو التاجر الذي لا يخفي نوايا بلاده الحقيقية تحت رداء الدبلوماسية كما كان يفعل سابقوه؟ إن حسابات الربح والخسارة عند ترمب تأتي في المقام الأول، فلماذا ينهي شرور الملالي بدلا من إبرام المزيد من صفقات الأسلحة مع منطقتنا، واستمرار استنزاف مواردها، وإضعاف جميع دولها مقابل تقوية دولة إسرائيل؟

لقد وجد النظام الإيراني -أو أنهم قاموا بإيجاده- ليبقى، وطالما بقي النفط والأموال في هذه المنطقة من العالم، سيبقى هذا النظام، شوكة في ظهرنا.

أعتقد أن رهانا الأكبر في التخلص من شرور النظام الإيراني لا يجب أن يكون على الإدارات الأمريكية المتعاقبة، ولا على المجتمع الدولي ذاته، وليس على قوتنا العسكرية، وإنما يجب أن يكون ذلك الرهان على الشعب الإيراني نفسه، وأن نجد طريقة ما، خطة ما، منهجية عمل ما: سياسية واقتصادية وإعلامية وفكرية وثقافية، لإزالة الغشاء عن عيون هذا الشعب.

من واجبا الديني والأخلاقي والحضاري أن نعمل على إخراج العشب الإيراني من محنته، وجعله يدرك أن الحياة جميلة، جديرة بالعيش بالنسبة له ولأطفاله من بعده، وتحذيره من التعلق بالمسلمات والغيبيات التي يروج لها رجال الدين هناك ويستلبون عقول الناس لتحمل جحيم الدنيا من جوع وفقر وحرمان مقابل وعود دنيوية كبرى بإزالة إسرائيل والقضاء على الشيطان الأكبر، ووعود برغد الآخرة أيضا.

علينا أن ننزع أيضا ما زرعه النظام الإيراني في عقول شعبه من شعور بالفوقية القومية أو الدينية أو التاريخية، وكراهية الآخر، واحتقار الأمم الأخرى، وإعادة أمجاد الأمة على حساب جماجم شعوب جيرانها.

علينا أن نجعل المواطن الإيراني العادي يدرك أن نظامه حالة سرطانية تؤذي جسد الوطن ككل، ولا حل سوى التخلص منها واستئصالها، أو محاصرتها والحد من تمددها وأثرها المدمر، وذلك على أقل تقدير.

وأنا هنا أسأل أي مواطن إيراني، وأي إنسان حول العالم، وأسأل نفسي أيضا: ماذا يريد النظام الإيراني من افتعال كل هذه الحروب في المنطقة، وإطلاق الشعارات الكبرى مثل تدمير إسرائيل؟ أنا كعربي أريد من كل قلبي استرجاع فلسطين، لكن هل يتوجب علي أن أصدق أن إيران بتصرفاتها وتدخلاتها في المنطقة تنوي بالفعل تحرير القدس؟

ماذا يريد العنصر الفارسي أو العنصر التركي من العنصر العربي في هذه المنطقة من العالم؟ هل يريدوننا أن نموت فقط؟ لماذا يعملون على جلب التعاسة لنا؟ هل يعتقدون أنفسهم أنهم سيصبحون سعداء بتعاستنا؟. إنه من الحماقة التفكير بالسيطرة على الأمم الأخرى من خلال الجيوش والحروب، فلو كانت هذه الطريقة فاعلة في عصرنا هذا لما انسحبت الدول الاستعمارية الكبرى من منطقتنا.

لقد أتعبت إيران نفسها وأتعبتنا معها، فلبنان بلد الفرحة بات حزينا، وسوريا تقسمت وتفرقت، ولن تستفيد منها لا إيران ولا العرب بعد أن بات يحكمها الروس والأمريكان والكرد..، والعراق الذي كان منبر العلم الحضارة يئن الآن تحت وطئة الجهل، وبات أيضا ورطة ومستنقعا لإيران كما هو لأمريكا، واليمن يقبع معظم سكانه في جوع ومرض.. .

لماذا لا يتحول الخليج العربي إلى بحيرة سلام بدل أن يكون بؤرة توتر وصراع؟ يملك الإيرانيون على شواطئهم المطلة على الخليج العربي أراض خصبة ومناظر خلابة، فلماذا لا يستثمرونها في الزراعة والسياحة بدل أن يزرعوها بالألغام ويحولوها لمناطق انطلاق زوارق حربية سريعة للحرس الثوري للاعتداء على ناقلات النفط في مضيق هرمز وبحر عمان؟

اعتقد أكيدا أنه لن يكتب البقاء لأي دولة وأي نظام وأي حضارة لا يكون الإنسان وتنميته ورفاهيته محورها، ولتسقط جميع النظريات الكبرى التي تروج لها دكتاتوريات لإيهام شعبها بأنها ستحقق لها انتصارات وستسحق أعداءه، فيما تعمل أجهزتها العسكرية والأمنية والقمعية على ترهيب هذا الشعب ومنعه من المطالبة بحقوقه.

 

بواسطة akmiknas

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s