أطلب العلم في الصين

تبدو لي العقوبات الأمريكية الأخيرة على شركة هواوي محاولة يائسة من محاولات إبعاد خطر الهيمنة الصينية على العالم، محاولة قد تتسبب بمرض الشركة الصينية لبعض الوقت، لكنه مرض لن يقضي عليها، بل سيزيد مناعتها وقوتها.

وأنا في الواقع اعتقد بصحة ما ذهب إليه مؤسس هواوي رين جينغفي عندما تحدث بلهجة التحدي غداة إعلان واشنطن حظر تصدير التكنولوجيا الأمريكية إلى العملاق الصيني، مؤكدا أن واشنطن “تسيء تقدير قوة” شركته، التي ستجد طريقة للصمود، وتعتمد أكثر على السوق الصيني الداخلي الكبير جدا.

لقد رسمت الصين طريقها لإزاحة الولايات المتحدة عن عرش العالم عسكريا واقتصاديا وتجاريا، بعد أن حققت معجزتها خلال العقدين الأخيرين وأزاحت دول عظمى مثل ألمانيا وفرنسا وروسيا من القائمة، وحققت شعارها “منتج صيني في كل بيت حول العالم”، وها هي تمضي قدما في مبادرة “الطريق والحزام” التي تغلف الثقافة بالتجارة بالسياسة بالجغرافيا، وتجعل دولا كثيرا حول العالم تسبح في الفلك الصيني.

شخصا لا أرى ضررا من ذلك، بل إن الضرر في احتكار الولايات المتحدة للقوى كقطب عالمي وحيد، واضطرار العالم إلى مجاراة أمزجة وتبدل سياسيات الإدارات الأمريكية المتعاقبة، حتى أصبح يصح في الرؤساء الأمريكيين قول المتنبي: “فيك الخصام وانت الخصم والحكم”.

كما أن حاجة الصين إلى استيراد المواد الأولية مثل النفط والمعادن من باقي دول العالم، يتيح لتلك الدول زيادة أسعار تلك المواد نتيجة المنافسة العالمية عليها، كما أن حاجة الصين إلى إعادة تصدير منتجاتها إلى الأسواق العالمية يتيح لتلك الأسواق الحصول على أسعار أرخص فيما لو تحكمت دولة واحدة بالصناعة والإنتاج.

صحيح أن الحرب المشتعلة بين الاقتصادين الأكبر في العالم قد أثرت سلبا على النمو الاقتصادي العالمي، ولكن فوائد هذا النمو لم تعد تصب غالبا في مصلحة جميع دول العالم، خاصة مع الصعود الهائل لحيتان الأعمال الأمريكيين أمثال زوكربيرغ مؤسس فيسبوك، وبيزوس مؤسس أمازون ، وغيتس مؤسس مايكروسوفت، والذين تضخمت ثرواتهم بشكل لا يصدق خلال الأعوام العشر الأخيرة، حتى بات الواحد منهم يملك أموالا لا تملكها عشر دول إفريقيا مجتمعة، والملاحظ في هذا الأمر أن جميع استثمارات هؤلاء ليست في مصانع أو شحن أو نفط أو معادن، وإنما في مجال التكنولوجيا.

واليوم تتدخل الإدارة الأمريكية بقوتها الناعمة والخشنة للقضاء على المنافسين خارج الحدود، في حرب كسبت معركتها الأولى ضد هواوي التي تضررت من إلغاء عقود استثمارية معها، وتهاوي سعر أجهزتها في أسواق العالم، لكنها معركة من حرب، وهناك من قال “الضربة التي لا تميتني، تقويني”، وهواوي قد تضعف، ولكن لن تمت.

إن الحرب الأمريكية على هواوي تدل على أن معيار القوة لم يعد اليوم عدد الجنود والدبابات والمدافع التي يملكها هذا البلد أو ذاك، وإنما مقدار التطور التكنولوجي الذي يحققه، ومن يقرأ عن مستقبل الحروب يدرك تماما ماذا أقول، ولدينا مثال على ذلك ما حدث في العام 2010 عندما ضرب فيروس يدعى “ستكسنيت” البرنامج النووي الإيراني وأدى إلى تعطيل آلاف أجهزة الطرد المركزي الخاصة بتخصيب اليورانيوم.

والحديث هنا يقود أيضا للكلام عما بات يسمى بـ “الحرب السيبرانية”، حيث بإمكان مجموعة من قراصنة الانترنت تدمير البنية التحتية لدولة ما، وتعطيل أنظمة الطاقة والطرق والصحة والمصارف، وإحداث ضرر بالغ في تلك الدولة دون الحاجة لإطلاق رصاصة واحدة.

لا يمكن هنا إنكار كيف أن إسرائيل تنبهت باكرا لأهمية امتلاك التكنلوجيا الحديثة، ووفرت أرضية مناسبة ليس لاستيراد تلك التكنولوجيا وتطبيقها فقط، وإنما لابتكار التقنية وإعادة تصديرها للعالم أيضا.

ما فهمته من خلال متابعتي خلال الأيام الماضية، أن معركة واشنطن مع هواوي ليست معركة تجارية أو ذات صلة بمخاوف أمنية فقط، خاصة بعد أن باتت هواوي تسيطر بشكل شبه كامل على تقنية الجيل الخامس 5G، هذا التقية الثورية التي ستمثل مستقبل الانترنت، وتمهد الطريق لانطلاقة قوية ما يسمى بـ “انترت الأشياء”، و”بلوك تشين”، و”البيانات الضخمة”، و”الذكاء الصناعي”، وتجعل حياتنا كلها متصلة بالانترنت بشكل وثيق.

هذا يعني أن هواوي، ومن خلفها الصين، ستتحكم في العالم، تماما كما حدث عندما اخترعت الولايات المتحدة شبكة الانترنت، وقدمتها للعالم، وأبقت في يديها مفاتيح التحكم بهذه الشبكة.

إن التقدم الهائل الذي تحرزه الصين على أصعدة كثيرة، ومن بينها الصعيد العلمي والتقني، سيجعل هذه الدولة قبلة لطالبي العلم الحديث، ومن يقرأ المستقبل جيدا سيتعلم أو يعلم أولاده على الأقل اللغة الصينية، لأنها ستكون اللغة الأساسية للعلم والثقافة والتجارة والمال في المستقبل المنظور.

وربما تجب الإشارة هنا إلى أن روسيا أيضا تحاول منذ أعاد لها بوتين هيبتها أن تجد لها موطئ قدم كقوة عالمية ذات كلمة يفترض أن تكون مسموعة، وما تدخلها في سوريا وأكرانيا مثلا إلا دليل على ذلك، لكن تبقى روسيا ذات إمكانيات محدودة إذا ما قورنت بالصين، وتبدو روسيا مستعجلة على استعادة مكانتها كقوة عالمية من خلال الحروب والصراعات، فيما تخلص الصين حتى الآن لمبدئها القائم على عدم التدخل في شؤون الدول الأخرى.

في الواقع أنا استغرب كيف أننا كعرب لا زلنا بعيدين كثيرا عن هذا التقدم العالمي، وفي أحسن حالاتنا نستورد تلك التقنيات من أجل الاستفادة من تطبيقاتها، وليس لدينا خطة واضحة في هذا الشأن، وإنما نستهلك ما يقدم لنا، تماما كما نفعل منذ عشرات السنين: مجرد سوق لبيع المنتجات والابتكارات والأسلحة والأفكار الغربية!. ألم يقل لنا رسولنا الكريم “اطلبوا العلم ولو في الصين”!.

بواسطة akmiknas

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s