هل نحن بالفعل بحاجة لديموقراطية ودساتير؟

عندما انتقلت من لبنان بعد الحرب الأهلية هناك في العام 1975 إلى دبي، نزلت مع مجموعة من الأصدقاء في فندق على دوار السمكة، كان عدد الغرف الفندقية في دبي آنذاك محدودا جدا، وأذكر أننا كنا ستة أو سبعة أشخاص في تلك الغرفة، ونحرص على وجود دائم لشخص واحد منا على الأقل في الغرفة لنضمن استمرارية حجزنا لها ولا نفقدها، وقد حدث ذات مرة وفقدناها فنمنا في قاعة الفندق حتى صباح اليوم التالي.

كانت دبي حينها تتلمس طريق نهضتها، ورغم أنني انتقلت بعد ذلك بسنتين أو ثلاثة للعمل في البحرين التي كانت حاضرة الخليج العربي بكل معنى الكلمة، وأبقيت مكتبي مفتوحا في دبي، إلا أنني عايشت عن كثب تحول هذه الإمارة من مرفأ صيد صغير إلى ما هي عليه اليوم واحدة من أهم عواصم المال والأعمال حول العالم.

كيف صنعت دبي معجزتها تلك؟ الإجابة بسيطة، يمكن العثور عليها فيما كتبه سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الإمارات رئس الوزراء حاكم دبي بمناسبة مرور 50 عاما على توليه أول منصب له في خدمة الوطن تحت عنوان “مبادئ للحكم وللحكومة في دبي”.

لقد قرأت بتمعن تلك المبادئ، وجلست أفكر: ماذا يريد الشعب بشكل عام في دبي أو الإمارات أو أي مكان في العالم؟ هل يريد السلطة؟ هل يريد منازعة الحكم أهله؟ هل يريد تحمل أعباء السياسة وغير ذلك من المسؤوليات العامة الجسيمة الخطرة؟ قطعا لا.

إن هرم ماسلو للحاجات الأساسية للإنسان لا يتضمن شيئا من ذلك، بل يتضمن في قاعدته أشياء أساسية تتحقق بالحصول على فرصة تعليم متميزة وعمل شريف وخدمة صحية مجانية جيدة، وفي أعلاه أن يحظى الإنسان بالتقدير والعدالة والمساواة.

في البحرين خطَّ جلالة الملك مشروعه الإصلاحي الذي أدخل البلاد عصر الحداثة والتطور، وأصبحت عضوا فعالا له حضوره على الساحة الدولية رغم قلة مواردها وصغر مساحتها الجغرافية، وأطلق جلالته رؤية البحرين 2030 التي يحرص سمو ولي العهد على ترجمتها إلى مشاريع وبرامج تنموية مثمرة، تماما كما فعل سمو الشيخ محمد بن راشد عندما رسم خارطة طريق واضحة المعالم لتحقيق احتياجات الإنسان وضمان سعادته ورفاهيته.

لقد آن لنا أن نعترف أننا فشلنا فشلا ذريعا في تطبيق الأشكال الغربية للحكم في منطقنا، فتجربتنا مع الديمقراطية مريرة، وفي كل مرة خرجت فيها الجماهير للشوارع تطالب بالديمقراطية حدثت صدامات وسالت دماء واكتظت المقابر والسجون وأصبح الوضع أسوء مما كان عليه، وليس ما حدث في العراق وليبيا وسوريا إلا دليل على ذلك، كما أن تجربتنا مع الدستور ليس أفضل حالا، ولم أسمع بزعيم عربي أعاقه الدستور عن فعل ما يريد خاصة عندما يتعلق الأمر بتجديد ولايته الرئاسية مثلا.

خمسون عاما ومحمد بن راشد يزداد شبابا، ويثبت أنه لا زال قائدا محنكا مبادرا قادرا مبتكرا، وقد قال في مناسبة إصداره المبادئ الثمانية للحكم والحكومة: “أعدكم أن الأيام لن تزيدنا إلا إصرارا على الخدمة، وإبداعا في العمل، وتسارعا في المنجزات”، وأضاف “50 عاما وهبتها لبلادي أعطتني خبرة، وشيئا من حكمة وكثيرا من محبة.. أضع اليوم بين أيديكم 8 مبادئ للحكم والحكومة في دبي.. نوصي جميع من يتولى مسؤولية في هذه الإمارة أن يلتزم بها مهما كانت الظروف، أو تبدلت الأحوال، أو تغيرت الوجوه”.

ورغم أن كل ما جاء في تلك المبادئ مهم وجوهري، إلا أنني توقفت مليا عند نقاط من بينها ألا أحد فوق القانون وأن العدل دولة وقوة وعزة وضمان استقرار وازدهار، فالشيخ محمد بن راشد أكد بشجاعة أنه لا يستثني أحدا من الأسرة الحاكمة، كما أنه لا فرق بين مواطن ومقيم، أو غني وفقير أو ذكر وأنثى أو مسلم وغير مسلم في تطبيق القانون، وشدد على أن التأخر في العدالة ظلم، وكل عادل هو عندي قوي، وكل ظالم هو عندي ضعيف. والظلم بريء من كل ظالم، وستبقى الأسرة الحاكمة بريئة من كل ظلم ما بقيت تحكم هذه الإمارة.

النقطة الثانية التي لفتت انتباهي، والتي نحن بحاجة ماسة إليها في منطقة العربية هي تأكيد الشيخ محمد بن راشد أن هدف حكومة دبي وغايتها تحسين حياة الناس بتحسين الاقتصاد، وأن دبي لا تدخل في السياسة ولا تستثمر فيها ولا تعول عليها لضمان تفوقها، وأن دبي صديقة لكل من يحمل لها ولدولة الإمارات الخير، وصديقة للمال والأعمال، ومحطة عالمية لخلق الفرص الاقتصادية.

ثم ما رأيكم بهذه العبارة الجزلة الواضحة الواردة في تلك المبادئ والتي تشير إلى بناء “مجتمع يتميز بكثرة العمل وقلة الجدل”؟!، يا الله ما أحوجنا إلى العمل أكثر والكلام أقل، ما أحوجنا إلى التوقف عن الثرثرة في السياسة والرياضة وإسداء النصائح للغير، والتوجه إلى داخلنا ومعرفة نقاط قوتنا لنقوم بتعزيزها ونقاط ضعفنا لنقوم بتلافيها، ولينعكس كل ذلك إيجابا على عملنا وانتاجيتنا.

لقد أغلقت دبي باب السياسة، والتفتت إلى التنمية، وها هي اليوم تتصدر مؤشرات التنمية العالمية، وحققت معجزتها في قلب الصحراء، وباتت مثالا يحتذى لجميع الدول بما فيها الدول ذات الديمقراطيات العريقة مثل بريطانيا الغارقة في مشاكلها السياسية والتي يطمح عدد كبير من مواطنيها بالحصول على فرصة عمل في بدبي.

بواسطة akmiknas

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s