قام الدب ليرقص

“قام الدب ليرقص.. قتَّل سَبع تمان تنفس”. ربما يختصر هذا المثل اللبناني الشعبي الذي تحول إلى أغنية حالنا مع الثورات العربية والربيع العربي. ومن الممكن أن هذا المثل يحكي قصة دُبٍّ ضخم قام أحد ما بتحفزيه وتحريضه، أو أنه شعر بالحماس من تلقاء نفسه، ونزل إلى ساحة الرقص ليعبر عما بداخله، لكنه قتل سبعة أو ثمانية أشخاص في محيطه. تماما كما فعنا نحن الشعوب العربية عندما نزلنا الشوارع والساحات والميادين حالمين بالتغيير وحرية التعبير ولكننا جلبنا الفوضى والدمار لأنفسنا أولا ولمن حولنا ثانيا.

ربما هناك أمثال مشابه بلغات أخرى، عندما يقولون “فيل في دكان حلاقة”، ولنتخيل حجم الفوضى التي ربما تم المكان كلما تحرك الفيل أو حرك خرطومه هنا أو هناك.

اعتقد أن أحد أسباب ما يسمى زورا وبهتانا بالربيع العربي، هي أن وعينا تشكل على أهمية الثورات في دحر الاستعمار وإسقاط الأنظمة الرجعية وبناء مجتمع العدالة وتعميم مبدأ “حكم الشعب للشعب”، وقد ترسخ ذلك مع ثورة يوليو في مصر وزعيمها جمال عبد الناصر، وثورة الفاتح من أيلول في ليبيا بقيادة القذافي الناطق باسم الشعوب العربية وقاهر الأمريكيان، وثورة الثامن من آذار في سورية التي أدت لاستيلاء حزب البعث العربي الاشتراكي على السلطة هناك وقامت بعمليات تأميم واسعة، وغيرها.

ولكن، في حقيقية الأمر، الثورة ليست إلا حركة غوغائية فوضوية تقوم بها المجتمعات اليائسة البائسة التي لم يعد لديها شيئا لتخسره، فيلتم الجياع والحالمين مع قطاع الطرق والمجرمين في حركة تبدأ بهتافات ولافتا بسيطة عادة ولا تنتهي بصدامات وفوضى وأعمال نهب وقتل وفوضى لا يمكن السيطرة عليها.

الثورة الإيرانية مثال آخر على ما أشرت إليه سابقا، حيث اعتقد الجميع –ولا زالت شرائح عريضة من الشعب الإيراني تعتقد- أنها حركة خير وتحرر وتخلص من الفاسدين ولم شمل المسلمين، لكن النتيجة التي نراها ويراها العالم أجمع هي أن الثورة الإيرانية قمعت الشعب الإيراني أولا، وعزلته عن العالم تقريبا، وغسل ملالي الثورة أدمغة الناس هناك بالكلام عن القدس والشيطان الأكبر وغيرها، وباتت إيران دولة منبوذة عالميا، تصدر الأفكار الظلامية والإرهاب إلى محيطها وتثير القلاقل والفتن.

هل يجب أن ندمر ما لدينا قبل أن نبني شيئا أفضل؟ مع الأسف الشديد نلاحظ أن جميع الثورات لديها خطة تلقائية للهدم، فالثورة الفرنسية مثلثا استساغت قتل ليس الأمراء والأميرات هناك فقط، وإنما كل من يمت لهم بصلة، بما في ذلك الشعراء والأدباء والفنانين والفلاسفة العظماء، وربما لو تمكن الثوار من هدم قصر فرساي وغيره من القصور الفرنسية لفعلوا، وحرموا أنفسهم وأبنائهم والعالم أجمع من هذا الإرث الحضاري العظيم.

ثم إن من يقرأ التاريخ يعرف تماما أن فرنسا ابتليت بعد تلك الثورة بأنظمة دكتاتورية أشد بطشا من النظام الملكي المخلوع، وسالت دماء كثيرة لسنوات وسنوات طويلة قبل أن تستقر الأمور مجددا.

أيضا خدعتنا الثورة البلشفية التي قام بها لينين بناء على أفكار كارل ماركس وطبَّقت الشيوعية ومعسكرات الاعتقال، ولم ندرك ذلك تماما إلا بعد أن رأينا الروس يسقطون تماثيل لينين وستالين ويسحلوها في الشوارع، وقبل ذلك كانوا قد سحلوا الدكتاتور تشاوشيسكو في رومانيا، وقد كنت في ألمانيا عندما هدم الألمان جدار برلين وجرَّب سكان العاصمة الشرقية الرفاهية بعيدا عن ترهات الشيوعية الفارغة.

إن أقسى نتائج الثورات ليس قتل الإنسان أو تهديم الممتلكات، وإنما تدمير الروابط الاجتماعية والثقافية والفكرية الجامعة للمجتمع، فتضيع البوصلة، وتتفسخ العلاقات الاجتماعية، وتظهر طبقة جديدة من أمراء الحرب الذي جمعوا ثروات هائلة بفعل الثورة، وتتلاشى الطبقة الوسطى التي تمثل الحامل الأخلاقي الأساسي للمجتمع، وربما تمر عقودا من الزمن وأجيالا متعاقبة قبل أن تعود الأمور جيدة ومستقرة كما كانت قبل الثورة.

ما هو الحل إذا؟ الحل هو الإصلاح، الإصلاح الذي يراعي خصوصية كل مجتمع، وسيرورته التاريخية، ومحيطه الجغرافي والإقليمي، وثقافته وعادته وتقاليده. الإصلاح هو أن يبدأ كل فرد فينا بإصلاح ذاته من الداخل، ثم ينتقل لإصلاح أسرته ومحيطه، فالمجتمع هو مجموعة من الأفراد، وكلما زاد عدد الصالحين فيهم كلما ساد الأمن والسلام وتحقق الاستقرار وارتفعت الإنتاجية ومعدلات الرفاهية والسعادة.

إن مجالات التطوير الشخصي واسعة جدا، وبإمكان أي شخص أن يبذل جهدا أكبر في اكتساب المزيد من المعلومات واتقان المزيد من المهارات، وتطوير وضعه الفكري والثقافي والمهني والمادي والوظيفي، طالما أن حرية التفكير والاعتقاد والتعلم والتملك والتنقل متاحة ومصانة، فيما الذي يقف في طريق انطلاقتنا؟

لا تلعن الظلام بل أشعل شمعة، لا تفكر بالهجرة لأنك يائس من التغيير بل ابدأ التغيير من داخلك، فكر فيما لديك من مكتسبات واستكشف نقاط قوتك وابني عليها، وتعرف أيضا على نقاط ضعفك واعمل على تلافيها، لا تزرع بمحيط عملك وبين أصدقائك وفي أولادك الإحباط واليأس خلف جدران مغلقة بل حفزهم وعزِّز فيهم التكفير الإيجابي، أخبرهم حقيقة أن ما يهدم في ساعة قد يحتاج بناؤه إلى سنوات.

نريد رؤية أولادنا وشبابنا في ميادين العمل والإنتاج وليس في ميادين العنف والثورات، نريد رؤيتهم أطباء وممرضين في المستشفيات وليس مصابين في أحداث الصدام والعنف، نريدهم مثقفين متزنين محبين لوطنهم محصَّنين ضد الأفكار الهدامة التي تحرضهم على الثوة وتصورها لهم على أنها بناء للغد المنشود، فيما هي ليست إلا فوضى وعنف ودمار وخراب للإنسان والأوطان.

 

بواسطة akmiknas

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s