تناغم إيجابي لعرب أوروبا

كان المسجد نظيفا جدا ومرتبا جدا، يتسم بالبساطة والحداثة في آن معا، حتى أن الموضأ كان معطرا ومعقما وأرضه جافة تماما من المياه، وكل ما في المكان يبعث على الهدوء والسكينة وسط أجواء روحانية قلما عرفتها من قبل.

هذا المسجد ليس في دولة إسلامية، وإنما في بريطانيا، في لندن تحديدا، حيث أديت صلاة الجمعة مع أصدقاء لي هناك من عائلة الحسن اللبنانية المرموقة، ومن حولي عرب آخرين ومسلمين من شتى أصقاع الأرض، يصغون بانتباه إلى خطيب الجمعة الذي يتحدث بهدوء واتزان وعقلانية، يعظُ ويعلَّم ويحثُّ على الالتزام بالطاعات ومكارم الأخلاق.

في الواقع، لم يكن هذا المسجد هو المكان الوحيد الذي التقيت فيه عربا ومسلمين في أوروبا، فقد تسنَّت لي خلال إجازتي هذا الصيف في عدة دول أوربية، وبشكل أساسي في لندن، فرصة لقاء الكثير من أفراد الجالية العربية تحديدا، وتبادل الأحاديث المعتادة حول الأوضاع العامة والحريات والاندماج وغيرها.

النتيجة التي خلصت إليها -وهي بالمناسبة ليست نتيجة جديدة أو مفاجأة- هي أن العرب في أوروبا سعداء بشكل عام، مطمئنون إلى مستقبلهم ومستقبل أطفالهم، ينعمون بالأمن والاستقرار والمساواة، لكنهم في الوقت ذاته ينظرون من خلف الشاشات بأسى لما يحدث في دولهم العربية من حروب وصدامات وفتن، وانحدار أخلاقي واقتصادي وعلمي واجتماعي.

على الرغم من توفر جميع المقومات الأساسية للحياة في بلدان مثل لبنان وسوريا والعراق والمغرب والجزائر، من ثروات طبيعية ومياه ومناخ، وتاريخ وحضارة، وقوى بشرية، إلا أن هذه البلدان كانت على الدوام طاردة لسكانها، يبحث الكثير من بينهم عن أية فرصة هجرة أو لجوء إلى بلاد العم سام، رغم أن دولة مثل السودان مثلا تبلغ مساحتها بحجم مساحة أوروبا تقريبا، وتملك من الخيرات والثروات الطبيعية ما لا تملكه عدد من الدول الأوربية مجتمعة. مفارقة عجيبة بالفعل.

سألت كثيرين من العرب الأصدقاء والمعارف هناك فيما إذا كانوا يخططون للعودة والاستقرار في بلدانهم، لكنهم جمعيا تقريبا أجابوا بالنفي. اعترفوا بالحنين لموطن رأسهم، لبيتهم وحارتهم وأقربائهم وأصدقاء طفولتهم، لكنهم قالوا إن العودة لن تكون إلا من خلال زيارات اطمئنان قصيرة، أما العودة النهائية والاستقرار فلا.

وأسمح لنفسي بأن أطرح سؤالا بعيدا عن العواطف التي لا تسمن ولا تغني عن جوع، وبعيدا عن شعارات القومية والوطنية الزائفة: ما الذي يدفع العربي المغترب للعودة إلى وطنه؟

هل سيحظى في وطنه بذات المساواة أمام القانون، وبذات فرص العمل والخدمات، التي يحظى بها في بلد الاغتراب مع المواطن الأصلي الفرنسي أو الألماني أو السويسري مثلا؟، هل سيضمن أمنه في وطن تسوده الإضرابات والفتن والحروب وتدخلات الأجهزة الأمنية؟، وهل سيضمن مستوى لائق من الحياة الكريمة في حال خسر عمله؟ هل سيضمن فرصة علاج جيدة لمرض مستعصي؟ هل سيضمن شيخوخة كريمة؟

هل بالفعل الغرب مادي فيما نحن روحانيين؟ أم العكس هو الصحيح؟ المادة متوفرة بالغرب لمن أراد البحث عنها، لكنهم لا يقتلون بعضهم البعض طمعا في السلطة أو التزاما بتعاليم دينية.

أعتقد أنه يجب علينا تقبل الواقع كما هو، والبناء عليه من خلال تعزيز أوضاع الجاليات العربية في دول الاغتراب، والاستفادة من إمكانيات تلك الجاليات في توطيد الصلات العلمية والثقافية والفكرية والاقتصادية مع الدول الغربية.

ومع موجات النزوح الكبيرة التي شهدتها دول عربية مثل العراق وسوريا التي بات الملايين من مواطنيها ينتشرون في دول أوربية عديدة، أصبح لزاما علينا بدل التفكير في عودتهم شبه المستحيلة لوطنهم، أن نشجعهم على الاندماج في مجتمعاتهم الجديدة، دون أن نقطع الصلة بهم أو الأمل منهم.

لا ضير من التعلم من التجربة اليهودية في هذا المجال، فاليهود رغم قلة عددهم تمكنوا من السيطرة على مفاصل المال والأعمال والدراسات والفكر في معظم عواصم العالم المهمة، واستطاعوا توجيه السياسات العالمية لخدمة قضاياهم الزائفة، والأجدر بنا نحن العرب أن نتعلم من تجربتهم لخدمة قضايانا العادلة.

بدلا من دعوة الكوادر العربية من أطباء ومهندسين وعلماء ورجال أعمال للعودة إلى أوطانهم -بذريعة أن تلك الأوطان التي ربَّتهم وأنفقت على تعليمهم أولى بهم- علينا أن نفهم أنهم ربما يكونوا مفيدين لنا في أماكن وجودهم في الغرب أكثر من فائدتهم لو عادوا للعمل في جامعاتنا ومستشفياتنا ومؤسساتنا غير المتقدمة.

أكتب وفي ذهني دول عربية تمكنت من عكس المعادلة، فبدلا من هجرة مواطنيها للخارج باتت هذه الدول جاذبة وربما تمثل حلما للبريطانيين والأمريكيين والغربيين بشكل عام للقدوم إليها للعيش والعمل، وأتكلم تحديدا عن الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية ومملكة البحرين التي أعرف أن كثيرا من الأوربيين قرروا البقاء فيها حتى بعد تقاعدهم. لقد نجحت هذه الدول بحق في تسخير ثروتها الطبيعية في إنشاء بنية تحتية قوية، وتوفير الأمن والاستقرار لمواطنيها ومقيميها وزوارها.

أعود من إجازتي في أوروبا هذا الصيف وأنا أكثر إدراكا وتصميما على المضي قدما في دوري كفرد تجاه أمتي، البحرين ولبنان وسائر الدول العربية، وفي ذهني خطط لإقامة المزيد من المشاريع التنموية الثقافية التعليمية التي أبذل جهودي حتى ترى النور قريبا، فلا سبيل أمامنا سوى رفع مساهمتنا كأفراد في عملية التنمية.

لا سبيل أمامنا سوى ترتيب بيتنا وجعله لائقا باستقبال أبنائنا وضيوفنا قبل أن ندعوهم للعودة إليه.

بواسطة akmiknas

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s