سوق العمل في البحرين نموذجا يحتذى

طالما شكَّلت مسألة حماية العمال الأجانب في دول الخليج العربي هاجسا لدى الكثيرين منا، خاصة عندما نرى عمالا من جنوب آسيا يكافحون تحت أشعة الشمس اللاهبة لإنشاء الطرق والبنى التحتية الحيوية في دولنا، مع إمكانية تعرضهم لإيذاء لفظي وحتى جسدي، وليس من النادر أن نسمع عن حالات يتحمل العمال كل هذا الشقاء دون أن يحصلوا على أجورهم على مدى شهور، ولا يخف على أحد ملف قطر الأسود في هذا المجال، حيث توثق إحصائياتها الرسمية مئات القتلى من العمال الأجانب، في حين أن بناء منشآت كأس العالم لكرة القدم سجَّل عددا مروعا من وفيات العمال في مكان العمل.

لكل ما سبق أعتقد أنه من الأهمية بمكان تعريف العالم على الجهود التي تبذلها مملكة البحرين خاصة خلال العقد الماضي لتعزيز حقوق العمال والقضاء على الاتجار بالبشر، ولقد تُوِّجت تلك الجهود بحلول البحرين ضمن دول الفئة الأولى (TIER1) في تقرير الخارجية الأمريكية حول الاتجار بالبشر الصادر نهاية الشهر الماضي، وذلك كأول دولة في المنطقة تحظى بهذا التصنيف الذي يضعها في مصاف دول متقدمة مثل ألمانيا والنرويج في تطبيق أعلى المعايير وأفضل الممارسات في هذا المجال.

إن هذا الإنجاز يرجع بشكل أساسي لجهود هيئة تنظيم سوق العمل التي قادت توجه البحرين في ملف معالجة الاتجار بالبشر، وحماية العمال الأجانب الضعفاء، وبالفعل تم تكريم الرئيس التنفيذي للهيئة السيد أسامة العبسي من قبل وزير الخارجية الأمريكية شخصيا، وبما يمثل مناسبة سعيدة لنا جميعا وللهيئة التي احتفلت مؤخرا بالذكرى العاشرة لإنشائها.

ولا شك أن هذا الإنجاز المستحق لمملكة البحرين ممثلة في هيئة سوق العمل يرجع إلى العديد الإجراءات التي اتخذتها الهيئة والتي تصب في صالح تنظيم سوق العمل وتوفير الحماية للعمال الأجانب، ومن ذلك إتاحة  تصريح العمل المرن في بادرة هي الأولى من نوعها في المنطقة حظيت بإشادة المنظمة الدولية للهجرة ومجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة كمثال نموذجي لإصلاح سوق العمل، كما شملت جهود الهيئة ضمان حصول العمال على عقود عمل أكثر وضوحًا، حتى قبل وصولهم إلى البلاد، وذلك عبر إلزام أصحاب العمل بالإعلان عن طبيعة الوظيفة وساعات العمل والراتب.

هيئة سوق العمل قامت أيضا بتدشين مركز شامل لحماية ودعم العمالة الوافدة يتضمن مركزًا لإيواء الضحايا ومساعدة أي شخص يحتمل في تحوله الى ضحية، وأطلقت صندوقا لدعم ضحايا الاتجار بالأشخاص بهدف تحسين أوضاعهم الإنسانية والمالية عبر مختلف البرامج التي يتبناها، كما اعتمدت العقد الثلاثي للعمالة المنزلية والذي ينظم العلاقة بين مكتب التوظيف، وصاحب العمل، والعامل المنزلي، ودشنت نظام الإحالة الوطني لضحايا الاتجار بالأشخاص الذي يُعد الأول على مستوى دول المنطقة، والذي يهدف إلى تعزيز إجراءات مكافحة الاتجار بالأشخاص، وتوضيح وتنظيم دور مختلف الجهات وآليات تعاملها مع أي حالة اتجار أو يشتبه في إمكانية تحولها إلى حالة اتجار.

يمكن للبحرين أن تفخر بمنجزاتها في مجال البنية التحتية والعمرانية على مدى العقود الماضية، لكن من الصواب أيضا أن نفعل ما بوسعنا لدعم وحماية أولئك الذين قاموا بالكثير من العمل الشاق للمساهمة في تلك المنجزات التي خرجت من الرمال، كما أن ديننا الإسلامي الحنيف يفرض علينا تقديم المساعدة إلى الشرائح الأكثر ضعفا في مجتمعنا، بغض النظر عن أصلهم وفصلهم.

ورغم جميع دعوات البحرنة والسعودة والكوتتة وغيرها في دول مجلس التعاون الخليجي، إلا أنه لا يمكننا من الناحية العملية الاستغناء عن العمالة الوافدة بشكل كامل، خاصة العمالة الرخيصة التي تقبل بظروف العمل الشاقة، وفي مملكة البحرين هناك 600 ألف مواطن و600 ألف أجنبي تقريبا، وهذا ما يجعل نسبة الأجانب مرتفعة نسبيا، لكن علينا أن نعلم أن أكثر من 400 ألف من الأجانب يعملون في قطاع الإنشاءات والطرق وغيرها من الأعمال الشاقة برواتب شهرية لا تتعدى الـ 200 دينار، إضافة إلى قطاع العمالة المنزلية، وجمعيها وظائف لا يمكننا تصور أن المواطن سيشغلها، على المدى المنظور على الأقل.

ورغم ذلك نلمس قدرا من الاستياء تجاه العمالة الأجنبية، وهناك من يرغب في التخلص من جميع العمال الأجانب ذوي الدخل المرتفع والمنخفض وإحلال البحرينيين مكانهم، لكن هذا لا يمكن عمليا، ومن شأنه تدمير الاقتصاد والاستثمار واثبت فشله تقريبا في جميع البلدان التي سعت إلى كبح جماح العمال الأجانب بشكل جذري، وفي أوروبا الغربية مثلا يميل المهاجرون إلى العمل كمحرك للاقتصاد من خلال شغل وظائف منخفضة الأجر ، وقد أصبحوا أنفسهم دافعي الضرائب والمستهلكين، حتى مع وجود العديد من الأوروبيين أنفسهم يقولون في كثير من الأحيان إنهم يرغبون في رؤية معدلات هجرة أقل.

وإن النواب الذين دأبوا على إطلاق دعوات للتضييق على الأجانب في مسألة قيادة السيارة في الشارع أو حرمان أطفالهم من التعليم الحكومي مثلا يجب أن يدركوا مدى الضرر البالغ الذي تسببه تلك الدعوات في سمعة البحرين كبلد منفتح على كل الحضارات والشعوب، تآلفت مكونات شعبه من كل الأصقاع، واعتقد أن عليهم الامتثال لتوجهات جلالة الملك وسمو رئيس الوزراء وسمو ولي العهد التي تؤكد دائما على أن البحرين بلد التسامح والتآخي والعيش المشترك، وتطبق مبادئ التنافسية والاقتصاد الحر كطريق للانفتاح والتطور والتنمية المنشودة التي ينعم بثمارها الجميع، وأولهم المواطن البحريني نفسه.

ثم أن الأجانب لا يأتون من أنفسهم إلى البحرين، ولا يتسللون عبر الحدود كما يحدث في كثير من الدول، وإنما البحرينيين أنفسهم هم من يستقدمون الأجانب لخدمة البحرين وأهلها المعروفين بالكرم والجود وحسن معاملة الضيوف، بالمقابل يجب القول إن البحرين ليست بلدا غنيا كما هو الحال في الكويت أو الإمارات مثلا، وإمكانية الادخار فيها أقل، لكن الوافدين سرعان ما يندمجون في مجتمعها ويفضلون البقاء فيها.

لقد أدخلت البحرين إصلاحات كبرى من أجل أن تكون دولة أكثر تعاطفا ودعما لأكثر سكانها ضعفا، وهذا هو السبب في أن المغتربين الآسيويين والغربيين على حد سواء قد صوتوا باستمرار لصالح البحرين باعتبارها البلد الأكثر تفضيلاً للعيش فيه، وتستحق البحرين أن تفخر بجهودها الرامية إلى تحسين سجلها لحماية جميع الذين تعبوا وعرقوا وعملوا لجعل البحرين في المكانة التي هي عليها اليوم.

بواسطة akmiknas

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s