الرُبَّان السعودي ورياح التغيير

اعتدنا على مدى عقود عديدة على المملكة العربية السعودية باعتبارها البلد ذي الثوابت السياسية والاقتصادية والاجتماعية الراسخة رغم كل التحديات والتحولات التي عصفت وتعصف بالمنطقة، وأصبح الجميع مطمئنين إلى الوجوه الرئيسية في المشهد السعودي، والنهج السياسي السديد، والقدرة الموثوقة على استثمار الثروة النفطية في مشاريع البنية التحتية والتنمية الضخمة، ونحن في دول مجلس التعاون الخليجي نظرنا دائما إلى السعودية على أنها محرك دفة المجلس نحو تعزيز أمن واستقرار الخليج والتصدي للتحديات والأطماع الخارجية.

وعلى الرغم من أن الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز قاد مسيرة إصلاحية حذرة وجادة في مجالي التعليم والحكم الرشيد، إلا أننا نجد نفسنا الآن في خضم تطورات داخلية سريعة جدا تطال معظم أوجه الحياة هناك وترسم معالم الدولة السعودية الجديدة.

إن رؤية 2030 والمبادرات الرامية إلى تحويل الاقتصاد السعودي تَعِد بتشكيل نموذج مالي متطور للمملكة خلال السنوات القادمة، إذ أن التدابير المستنيرة ومن بينها تلك الخاصة بالمرأة ستسهم في معالجة الانتقادات التي طال أمدها من الغرب، وعلاوة على ذلك، فإن تعهد ولي العهد محمد بن سلمان بالتحرك نحو نموذج إسلامي واجتماعي أكثر تسامحا هو أمر مهم للغاية لتصحيح مسار المملكة بعد التحول نحو المحافظة الدينية منذ العام 1979.

كل من هذه الإصلاحات في حد ذاتها تستحق أن توصف بأنها ثورية في قدرتها على تحويل المجتمع السعودي.

ومع ذلك، ربما لم تحدث هذه التدابير الضجة والاهتمام العالمي كما حدث مع قرار احتجاز نحو 200 من مواطني المملكة الأكثر ثراء وقوة في فندق ريتز كارلتون، ومطالبتهم بتسديد المليارات من الدولارات بعد مواجهتهم بأدلة حصولهم عليها من خلال وسائل فاسدة أو غير مشروعة، كما تفاجأنا بعد بضعة أسابيع فقط عندما احتجت مجموعة من الأمراء على وقف مخصصاتهم المالية، لكن هؤلاء الأمراء الذين طالما اعتبروا أنفسهم فوق القانون وجدوا أنفسهم قيد الاعتقال وألقت بهم السلطات السعودية في السجن.

من الصعب تصور أي طرق أكثر دراماتيكية لتوضيح أنه في المملكة العربية السعودية الجديدة لا أحد فوق القانون، ويجب على الجميع أن يسهموا في بناء المجتمع، وكل من يسعى إلى استغلال النظام أو تقويضه يجب أن يتوقع أن يُعامَل بحزم.

لا شيء من ذلك ينبغي أن يكون مفاجأة، بل هذه هي الطريقة التي من المفترض أن تسير عليها الأمور، وفي البحرين، سلطت التقارير السنوية الصادرة عن ديوان الرقابة المالية الضوء على أوجه القصور والهدر المالي والإداري إضافة إلى استعراض حالات فساد كبيرة، وأظن أنه في السنوات القادمة قد ننظر إلى الوراء في انهيار عائدات النفط عام 2014 بشكل مفاجئ على أنه أمر جيد لنا من خلال الحرص على أن تكون المؤسسات البحرينية ودول مجلس التعاون الخليجي أكثر كفاءة وشفافية، ونعمل بشكل حقيقي وجاد من أجل إطلاق العنان لقوى ريادة الأعمال والقطاع الخاص.

إن إدخال نظام الحكم تغييرات بعيدة المدى يخلق دائما حالة من الاستياء لدى أصحاب المصالح والقوى التقليدية المستفيدة من الأوضاع الراهنة، كما ينظر الناس إلى أي تغيير جديد بشيء من الريبة والخوف حتى مع إدراكهم أن التغيير ضروري ولا بد منه، ولكن التغيير يجب أن يدار دائما بطريقة لا تؤثر سلبا في المواطنين محدودي الدخل.

بعض الناس قلقون من أن هذه التدابير السعودية ضد الفساد قد تضر بثقة المستثمرين أو تخلق رد فعل عنيف خطير. نحن نعلم أن المستثمرين ربما يشعرون على المدى القصير بالتوتر إزاء التغيير، وخاصة إذا كان مفاجئا ولا يمكن التنبؤ به، ومع ذلك، ليس لدي أدنى شك في أن تلك التدابير سيكون لها تأثير كبير في السنوات القادمة على تعزيز ثقة المستثمرين وتشجيع العالم على التعامل مع دول مجلس التعاون الخليجي، وذلك لأنه يدل على أن جميع الشركات والمستثمرين ستعمل في بيئة تنافسية عادلة، دون معاملة تفضيلية أو التلاعب في النظام من قبل الأفراد الأقوياء.

الفساد هو واحد من أكبر مثبطات للاستثمار. الفساد يزيد بشكل كبير من التكلفة وعدم القدرة على التنبؤ بممارسة الأعمال التجارية. الشركات الدولية لا ترغب في مواجهة التدابير القانونية أو ضرر السمعة من خلال القيام بأعمال تجارية في القطاعات الاقتصادية الغامضة، ويصبح الاقتصاد برمته مختلا عندما تذهب العقود إلى الجهات الفاعلة الأكثر فسادا، بدلا من أن تكون أفضل وأكثر تنافسية.

ليس لدي أي شك في أن الإجراءات المتعلقة بالفساد لها علاقة كبيرة بتحويل أرامكو إلى شركة تمهيدا لطرح جزء من أسهمها في الاكتتاب العام، وبما يسهم في تعظيم ثقة المستثمرين وإظهار لماذا يحق للناس في جميع أنحاء العالم الاستثمار في المملكة العربية السعودية.

كثيرا ما نستسلم للوقائع ونقول إن الأمر سيستغرق أجيال من أجل إحداث تغييرات في الممارسات التي تتسامح مع الرشوة والفساد وعدم الكفاءة في العالم العربي، لكن الأمير محمد بن سلمان أثبت لنا جميعا أننا مخطئين من خلال إثباته أن تلك الممارسات يمكن أن تتوقف تقريبا بين عشية وضحاها إذا كانت الإرادة السياسية موجودة، وعندما يكون الدعم الوطني لهذه التغييرات قويا جدا.

وبالمثل في البحرين، بعد نحو 12 عاما منذ صدور أول تقرير سنوي لديوان الرقابة المالية انخفض عدد الحالات التي تحتاج إحالة للنيابة بنسبة 80٪. طبعا النتائج ليست مثالية، ولكنه تغيير مثير للإعجاب، وهو نتيجة مباشرة لزيادة الشفافية والمساءلة.

يجب النظر إلى الإصلاحات السعودية على أنها فرصة كبيرة بالنسبة للبحرين، لأنه مع توسع القطاع الخاص السعودي بشكل كبير سيصبح أكثر شفافية وكفاءة، وسينحى القطاع الخاص البحريني هذا المنحى، وسيتم خلق نمط متبادل المنفعة من الازدهار المتزايد لاقتصاديات دول مجلس التعاون الخليجي، كما أن زيادة الانفتاح لدى مزيد من شرائح المجتمع السعودي ستعني بالضرورة زيادة حجم الاستهلاك وتسريع الدورة الاقتصادية لدى السعودية وجيرانها.

تُفاجئنا قيادة المملكة العربية السعودية باستمرار على مدى العامين الماضيين، وأعتقد أنه سوف تستمر هذه المفاجئات والتغيرات المهمة حتى تؤتي ثمارها المنشودة، فمن السهل نسبيا أن يجري إعلان التغيير لكن من أكثر التحديات هو جعل هذا التغيير حقيقة واقعة.

ومن الواضح لنا جميعا كيف أن القيادة السعودية جادة بشكل مطلق في إحداث التغيير، وترجمة النوايا إلى أفعال وممارسات تعد بنتائج طيبة بعيدة المدى على المملكة والمنطقة ككل، ونتمنى لهم جميعا النجاح في هذه المساعي الحميدة.

 

بواسطة akmiknas

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s