لبنان بين الطائف وقُمْ

 

أمضيت عدة أيام من إجازة عيد الفطر الماضي في مسقط رأسي، لبنان، هذا البلد الهش الذي ما برح يخرج من أزمة حتى يقع في أخرى، والواقع أن زيارتي الأخيرة تزامنت مع انفراجة في أزمة سياسية ظلت تختمر لعدة أشهر، حيث صدر قانون الانتخابات الجديد الذي يمهد الطريق أمام الانتخابات البرلمانية في الأشهر المقبلة.

في الدول المستقرة تجري الانتخابات وينتخب النواب والقادة دون أن يشعر أحد على الإطلاق بأن هذه الأمور قد تشكل تهديدا وجوديا لوحدة البلاد ومصيرها، ولكن حتى القضايا المعيشية الصغيرة في لبنان يمكن أن تؤدي إلى استعصاء في العملية السياسية برمتها لعدة أشهر وسنوات، لأن الفصائل السياسية المختلفة تنظر إلى كل قضية من هذا القبيل على أنها فرصة للتصعيد وتسجيل النقاط ضد الخصوم.

على مدى العقود الماضية تعلم المجتمع اللبناني إلى حد كبير كيفية فصل نفسه عن مزاودات السياسة والسياسيين ومتاهاتهم، وتعلم المواطنون العاديون تدبير أمور معيشتهم بما يضمن استمرار الحياة اليومية رغم أن الطبقة السياسية في حالة شلل افتراضية ورغم أنه من المستحيل تخيل نظام سياسي أكثر اختلالا من نظام لبنان.

إن جذور المشاكل اللبنانية هي وجود نظام سياسي طائفي يكرر ويرسخ الشخصيات والكيانات ذاتها في السلطة منذ الحرب الأهلية، والنتيجة هي أن معظم السياسيين لا يخدمون أمتهم ككل، بل هم أيضا لا يستجيبون نسبيا لاحتياجات مجتمعاتهم المحلية، وكثيرا ما يكونوا  مجرد أدوات لخدمة قوى خارجية.

في حالة حزب الله، كنا كلبنانيين نقول لبعضنا البعض إنه لا يهم أن يتم تمويل هذه المنظمة وتسليحها من قبل قوة أجنبية، منطلقين من اعتقاد أن هذا الحزب يديره مواطنون لبنانيون يضعون مصلحة بلدهم في المقدمة دائما، لكن هذه المنظمة أدارت سلاحها إلى الداخل اللبناني أكثر من مرة، كما أنها ورَّطت كل لبنان في حروب عبثية من بينها تدخلها السافر وبقرار منفرد في سوريا ما أدى إلى تفاقم الأزمة هناك أكثر من حلها.

لقد بقي لبنان تحت وصاية النظام السوري حتى بعد اضطراره لسحب قواته في العام 2005 نتيجة لتداعيات استشهاد الرئيس رفيق الحريري، وعمل النظام السوري على تقويض المؤسسات الديمقراطية في لبنان والتلاعب في العملية السياسية برمتها، ولقد كنا ندرك تماما تأثير طهران على بيروت، ولكن هذا التأثير كان يميل إلى أن يكون غير مباشر، ويجري توجيهه من خلال دمشق أو حزب الله.

لكن معالم هذا التأثير أخذت تبدو أكثر وضوحا في السنوات الأخيرة، وأصبح النظام الإيراني يمارس تأثيرا مباشرا أكبر على الدولة اللبنانية، وكان ذلك واضحا في إيصال الرئيس ميشال عون إلى سدة الرئاسة وبما سمح لحزب الله بنفوذ أكبر، ومن المرجح أن ينمو هذا النفوذ الآن لأن بشار الأسد هو دمية إيرانية بالمطلق ولأن المرتزقة الإيرانيين يوسعون سيطرتهم على معظم سوريا، فهل سيكون لبنان في المستقبل قادرا على الاحتفاظ بنظام سياسي يمثل جميع طوائفه ومواطنيه؟

ولقد كان تراجع التمويل والدعم من دول مجلس التعاون الخليجي للمؤسسات اللبنانية على مدى العامين الماضيين مفهوما، فمن غير المعقول منح الأموال لمؤسسات يقف بعضها ضد مصالح العالم العربي، ومع ذلك يبقى السؤال: كيف يمكن لدول مجلس التعاون الخليجي أن تضمن إعادة تكييف سياساتها تجاه لبنان وسوريا بشكل لا يسمح لطهران بالسيادة على هاتين الدولتين العربيتين دون منازع؟. قد يكون من المستحيل وقف التدخل الإيراني والسوري في لبنان برمته، ولكن على الأقل يمكن أن يكون هذا التدخل متوازنا من خلال دور عربي قوي وحازم في ضمان بقاء بيروت ثابتة داخل مدار العالم العربي.

غالبا ما يشعر العوام أن الهيمنة الإيرانية الكاملة على لبنان ليست سوى مسألة وقت، لكن إيران ليست بتلك القوة، والموارد والأدوات التي تسيطر عليها لا تمثل شيئا مقارنة بالدور يمكن لدول مجلس التعاون الخليجي أن تلعبه إذا كانت تعمل بشكل مشترك وحاسم.

وحتى وقت قريب جدا، كان السودان واحدا من أقرب حلفاء إيران، حيث كانت العلاقات الدبلوماسية مكثفة والخرطوم تستخدم كنقطة انطلاق لشبكات التهريب الإيرانية في جميع أنحاء أفريقيا، ثم بدأ السودان ينأى بنفسه عن طهران ويحظى بعلاقات أقوى مع دول مجلس التعاون الخليجي -ويجني فوائد ضخمة في المعونة والاستثمار-، وهذه قصة نجاح رئيسية حققتها دول مجلس التعاون الخليجي ينسى الناس غالبا ذكرها.

كما أتمنى أن تكون مجرد مسألة وقت قبل أن يقرر أشقائنا القطريون النأي عن إيران والقوى الإسلامية الأخرى بالفعل. ومن خلال تجربتي الدبلوماسية المتواضعة أؤكد أنه غالبا ما تكون هذه المقاربات أكثر فعالية عندما يتم تقديم الجزرة والعصا معا، فمن الجيد الآن أن يكون كرتنا على الطاولة ومطالبنا واضح، ولكن يجب على القطريين العاديين أيضا أن يروا ما هي الفوائد التي يتم تقديمها إذا قامت قيادتهم بتغير مسارها. وهدفنا ليس إهانة دولة قطر الشقيقة، بل بالأحرى أن نتصدى بصورة جذرية للقضايا الحاسمة المشتركة كي نستطيع جميعا أن نكون عقلا واحدا وصوتا واحدا.

ومن ثم فإنني آمل أيضا أن تضع دول مجلس التعاون الخليجي والدول العربية لبنان في اعتبارها أكثر، وأن تضع استراتيجية تضمن بقاء لبنان دولة عربية نفخر بها جميعا داخل مدار العالم العربي، مع وجود نظام سياسي قوي بما يكفي لكي ينأى بنفسه عن التأثيرات الخارجية المعادية.

لم نكن كعرب في وقت من الأوقات بحاجة إلى الوقوف معا كما نحن اليوم، وأن نستعيد روابط اللغة والتاريخ والمصير المشترك الذي يجمعنا، وأن نقدم الدعم للدول العربية الضعيفة التي تعاني الحروب والتدخلات الأجنبية، خاصة وأن الانقسامات المزروعة بيننا هي من فعل الكيانات التي تخشى وحدتنا وقوتنا. وإن وقفة صادقة مع ذواتنا كعرب كفيلة بمنحنا انطلاقتنا كقوة خير وسلام لا يمكن إيقافها.

 

بواسطة akmiknas

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s