عصور الظلام الجديدة

أية تراجيديا مأساوية نشاهدها الآن في مجتمعات عربية دخلت حروبا أهلية طاحنة ذات صبغة دينية وسالت فيها دماء مئات آلاف البشر حتى الآن، دون أن يعي المتحاربون –عن قصد أو دونه- درساً اختبر غيرهم كارثيته منذ أكثر من 300 سنة؟!

إبان ما يعرف بـ “حرب الثلاثين عاما” في أوربا أزهق الأشقاء هناك أرواح بعضهم البعض، ودخلت الأمم الأوروبية في حروب بينية مؤلمة، انطلاقا من خلافات لاهوتية تسببت في تجييش الأوربين لقتل بعضهم البعض بقسوة، فيما تبدو العديد من جوانب تلك الحروب مألوفة جدا لدينا لناحية التحريض على إراقة الدماء وإطالة أمد الحرب بفعل القوى الخارجية، كالإسبان الذين استخدموا ثرواتهم الهائلة التي نهبوها من جنوب أميركا في تجنيد دول مرتزقة بأكملها لصالح حروبهم، أو السويد التي انجرفت طوعا إلى حرب جيرانها.

وكما هو الحال مع جميع الحروب الدينية، سرعان ما أصبح القتال سعيا خلف الهيمنة الإقليمية، وكانت المحصلة خروج جميع الأطراف منهكة خاسرة، حتى أن عددا من المناطق الألمانية خسرت ما بين 50 إلى 75 في المئة من مواطنيها في الحروب والمجازر والمجاعة والمرض.

إن الأصولية والإرهاب اللذين غذَّيا تلك الحرب أظهرا الإنسانية في أسوأ حالاتها، وظهرت أساليب وآلات تعذيب وحشية تثير صورها الرعب حتى الآن، وكما تفعل داعش الآن، جرى تعذيب المشتبه بانحراف ولاءاتهم الدينية في غرف مزينة بصفحات من الكتاب المقدس، قبل أن يتم حرقهم.

أخيرا، وفي العام 1648 جرى سلام “ستفاليا” الذي أنهى حرب الثلاثين عاما وسمح للناس في كل ولاية باختيار الطائفة الدينية التي يرغبون في اتباعها علانية، وبعد 130 عاما من محاولات البروتستانت والكاثوليك القضاء على بعضهم البعض، قررت الدول الأوربية المنهكة تجربة التعايش السلمي فيما بينها.

الدرس المكلف للغاية هو أن الدين مسألة تقر في قلوب الناس وضمائرهم، وليس شيئا يمكن فرضه بالقوة، فهل كان من المناسب أن يموت عشرة ملايين شخص لكي تتعلم أوروبا والبشرية هذا الدرس باهظ الثمن؟

لقد مثَّلت نهاية حرب الثلاثين عاما بداية الفترة المعروفة باسم عصر النهضة أو التنوير الأوروبي عندما دفعت الفلسفات التقدمية التعصب وخرافات العصور السابقة جانبا، وقد كانت مدينة جزئيا في ذلك للحضارة الإسلامية، فعلى مدى قرون سابقة كان الأكاديميون الأوروبيون يقاربون بشكل جدي النصوص العلمية والفلسفية في العالم الإسلامي، وأعجبوا بالطريقة السلمية التي تعايش فيها الأقليات الدينية في ظل الإمبراطورية العثمانية، وقد أشاد الفيلسوف فولتير رائد عصر النهضة في كتابه “أطروحة التسامح” بالأفكار التقدمية للإسلام كطريق لنبذ التعصب.

وكانت إحدى قصص النجاح في خضم فوضى حرب الثلاثين عاما هي الجمهورية الهولندية، التي أقامت حكما ذاتيا وسادها التسامح الديني، لتصبح معجزة تجارية ، وتتمكن من إنشاء مراكز تجارية في جميع أنحاء العالم، في حين معظم جيرانها الأوروبيين مشغولين جدا في قتل بعضهم البعض.

نحن سكان هذه الأرض من الذين حظيوا بتعليم ممتاز، وأتيحت لنا فرصة التعرف عن كثب على العالم من حولنا، لم نكن بحاجة إلى درس تطبيقي لننتبه وننبه من حولنا إلى خطوة ما يجري الآن من حروب دينية على أرضنا. وربما نشعر أحيانا بالإحباط للعيش في هذا العصر، لأننا نعرف بالفعل ما ستكون عليه العواقب.

كارل ماركس يقول إن التاريخ يعيد نفسه، في المرة الأولى على شكل مأساة، وفي المرة الثانية على شكل مهزلة، ومئات الآلاف من الناس يموتون الآن في سوريا والعراق وليبيا واليمن، ليس من أجل إنقاذ الإنسانية أو دحر الشرور، ولكن كجزء من مهزلة لم تعد حتى الأطراف المتحاربة فيها تملك فكرة واضحة عما تقاتل من أجله!

الحرب والتخلف تحرم الأمم من عقول مواطنيها الأكثر بريقا، وهذا الأمر لم يكن يوما ما صحيحا كما هو الآن، ولقد كانت مدن كالقاهرة والجزائر وبيروت وجهات عصرية وجذابة للأوروبيين الذين يسعون إلى حياة أفضل، أما اليوم فقد انعكس الاتجاه، وهناك مثلا أكثر 13 مليون مصري هاجروا للعمل خارج بلادهم بعد أن أنفقت الدولة المصرية كثيرا على تنشأتهم وتعليمهم، وتتكرر هذه المأساة في لبنان وسوريا وإيران وأماكن أخرى.

خطأ من هذا؟ إنه خطأ الجهل. ولا ينبغي أن ننتظر عائدات النفط لتغذية التنوير العربي، بل نحن بحاجة إلى التعليم والتوعية. نحن لا نحتاج إلى فهم مجرد للديمقراطية فقط، بل إلى ممارسة عملية وتحمل المسؤولية.

يجب توفير التعليم والمستقبل لأولئك الأطفال المصابين بصدمات نفسية جراء النزوح أو اللجوء أو التجنيد في ساحات القتال في سوريا واليمن، وإن طاقات هؤلاء الفتية الذين استغلوا من أجل القتل يجب أن تستغل الآن من أجل تحسين المعيشة ودعم مبادئ الإنسانية والعيش المشترك.

هناك أمل. فأوربا تحررت من جهلها وأصحبت أقوى بعد قرون طويلة من النزاعات الدينية، وقنبلة هيروشيما شحذت همة اليابانيين وألَّفت بين قلوبهم، والخيار بيدنا الآن: هل سنسير في ركب تلك الأمم المتطورة التي تعلمت الدرس القاسي في إحدى مراحل تطورها التاريخي؟ أم أننا سنبقى نكرر مأساتنا بطريقة مختلفة مرة تلو أخرى.

 

بواسطة akmiknas

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s