انعزالية أم غباء؟

345

في مواجهة حالة الإضطرابات العالمية غير المسبوقة، وصعود اليمين المتطرف حتى في الدول راسخة الحضارة والانفتاح، ودخول المزيد من الأراضي والدول في أتون صراعات مدمرة، تظهر استراتيجية سياسية مغرية ومريحة أمام الحكومات، وهي عزل البلد عن مشاكل العالم من حوله، والانكفاء على الداخل.

لا يمكن لبلدنا لوحده محاولة حل مشكلة اللاجئين السوريين، ولا يمكنها وضع حد للفقر في أفريقيا، ولن يتمكن قادتنا  ودبلوماسيينا بمفردهم من لعب دور وسطاء سلام بين جميع الأطراف المتصارعة في المنطقة، وسنستزف جهودنا ومواردنا إذا حاولنا التصدي لجميع مشاكل العالم من جانب واحد، لذلك ستبدوا محاولاتنا تلك عقيمة.

إذا كنا نفكر بعقلية المعتزلة، فمن الأفضل لنا التركيز على التحديات الداخلية التي تواجهنا، والحفاظ على مواردنا وتحقيق أقصى قدر من الرفاهية الخاصة بنا، فالعالم من حولنا يمكن أن يغرق في الفوضى والبؤس، فيما نستطيع نحن عزل أنفسنا عنه كجزيرة وننعم بالهدوء.

قبل أن تنجذب تماما إلى حديثي هذا، أود الانتقال إلى الضفة الأخرى من الحقيقة، وهي خطورة الاعتقاد بنجاح سياسة الانعزال في عالم تحكمه وسائل انتقال واتصال سريعة جدا، أزالت الحدود الجغرافية والمعرفية بين البشر.

مهما بذلنا من جهود مضنية للنأي بأنفسنا عن الصراعات الخارجية ستجد تلك الصراعات طريقها إلينا لا محالة، وستترك آثارها علينا شئنا أم أبينا، حتى أننا نرى دولا في أقاصي المحيط الهادئ قد تأثرت بما يحدث في سوريا على بعد آلاف الأميال عنها، ذلك أن بعض اللاجئين السوريين وصل تلك الدول-الجزر بالفعل عبر البحر والطيران بما في ذلك الطيران بالمنطاد!.

ونرى أيضا أن دول الغرب لم تحرك ساكنا –أو تحركت على نحو خجول جدا- حيال الأزمة السورية ذاتها، ورويدا رويدا وجدت تلك الدول نفسها تئن تحت وطأة مئات الآلاف من اللاجئين، ولم تفلح محاولات إغلاق حدودها، أو حصر اللاجئين في مخيمات اللجوء في الدول المجاورة، وزحف الفارون من نيران الحرب في آلاف من القوارب الصغيرة التي غرق الكثير منها في رحلة لجوء يائسة مضنية.

حال هذه الدول تماما كحال الرجل الثري الذي يحاول أن ينعم برغد العيش بين فقراء وجياع يحيطون به من كل جانب، فيلجأ إلى عزل نفسه خلف أسوار وجدران عالية تحميه منهم بقدر ما يستطيع، ولكن في نهاية المطاف تنهار تلك الأسوار تحت أقدام الجماهير الجائعة الباحثة عن طعام لأطفالها بأي ثمن.

نحن لا نستطيع بمفردنا وضع حد للفقر والظلم في العالم، ولكن عندما نتجاهل التطورات الخطيرة من حولنا نكون كمن يحتمي بقلعة رملية على الشاطئ، سرعان ما تنهار مع أول موجات المد.

لا يمكن أن نحل مشاكل العالم وحدنا، ولكن هذا يمكن أن يتحقق من خلال تحالفات مع الدول التي تشاطرنا التوجهات والتحديات والمخاوف، وحل أزمة اللاجئين ليس بحصرهم خلف جدران عالية في بلدانهم أو في مخيمات اللجوء، وإنما بتكاتف دول العالم المتحضر والعمل معا من أجل حل النزاعات سبب اللجوء.

تغير المناخ واحدة من الكوراث العالمية التي يجب أن نتحد جميعا لمواجهتها، وغالبية العلماء يتفقون على أنه إن لم تتخذ إجراءات عاجلة لمعالجة تغير المناخ، فإن العالم سوف يتعرض لكارثة بيئية، ومع ذلك، إذا كانت البحرين الدولة الوحيدة التي تأخذ هذه التحذيرات على محمل الجد، فإن جهودها لن تسهم في حماية المناخ بأكثر من واحد بالمئة، وهذا أمر جيد، لكن الأمر الممتاز، والواجب، هو أن تعمل كل دول العالم لإنقاذ المناخ قبل أن يصل تدميره لدرجة لا يمكن معها إصلاحه.

رغم أن الحل الأسهل لظاهرة تغير المناخ هو انكار أنها مشكلة، وهذا يوفر الجهد والنفقات، لكننا سنحمل أولادنا وأحفادنا العواقب.

بعد سنوات من عطالة المنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية نتيجة لتضارب مصالح أعضائها خاصة الكبار منهم، بدأت تتفكك كيانات طالما اعتقدنا بصلابتها، مثل الاتحاد الأوربي، ومنظمة التجارة العالمية.

دعونا لا نسمي هذه الاتجاهات العالمية بـ “الانعزالية”، دعوا نسميها بما هي عليه فعلا: “غباء”!، فإذا كنا نعتقد أنه يمكن حل مشاكل العالم من خلال تجاهلنا لها، أو بناء جدران للوقاية منها، فهل يمكن أن يندرج ذلك تحت وصف آخر سوى الغباء؟، وإذا رأى أحدهم أن الحرب في سورية هي حرب السوريين فقط، وحلها يتم من خلال السوريين فقط، فهل يكون ذكيا أم غبيا؟، وإذا امتنعنا عن إنفاق مليون دولار اليوم على برامج الحد من عوامل الفقر وتسوية النزاعات ثم وجدنا أنفسنا مضطرين لدفع مليار دولار للتقليل من آثار الحروب الناتجة عن تلك العوامل، فهل هذا الامتناع تصرف حكيم أم قصير النظر وغبي؟!

لقد شهدنا أناس يهتفون في الشارع ضد حكوماتهم متهمين إياها بإنفاق المال على اللاجئين والألواح الشمسية ومزارع الرياح بدل إنفاقها على توفير الوظائف والطرق للمواطنين، وهذه الاتهامات مردها إلى آلية تفكير يعتمدها ملايين الناس حول العالم، لكن الخطورة هو عندما تبنى السياسات الحكومية استجابة لهذه الأوهام الشعبوية قصيرة النظر، وبدلا من العمل مع الحلفاء  لمعالجة مشاكل العالم الكبرى، تنكفأ الدولة على ذاتها، والحقيقة المحزنة هي أنه في المستقبل القريب سيغرق العالم كله في الفوضى التي لن تستثني أحد.

يجب أن تفكر وتتصرف دول العالم، خاصة الدول الكبرى المتحضرة، وفق قاعدة دولية تقول إنه عندما ندفن رأسنا في الرمال متجاهلين مشاكل الناس في الأراضي البعيدة عنا، ستصبح هذه المشاكل في نهاية المطاف كبيرة بحيث تفرض نفسها علينا حتى تصبح مشاكلنا.

يقول مارتن لوثر كنغ: علينا أن نتعلم كيف نعيش سوية كالأخوة، أو نهلك معاً كالحمقى.

 

بواسطة akmiknas

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s