كيف نخطط في عالم مضطرب

 

Akramسألت مؤخرا زميل قديم ورجل أعمال مقرَّب فيما إذا كان لا زال يخطط أعماله لخمس سنوات قادمة كما اعتاد أن يفعل، لكن يبدوا أن سؤالي أثار استغرابه، لقد قال لي إنه سيكون محظوظا اذا كان يستطيع التخطيط للأسابيع الخمسة القادمة.

إن الحالة الراهنة المضطربة في الشرق الأوسط والأحداث الكبرى تجعل أفضل الاستراتيجيات في مهب الريح ومعرضة دائما للابتعاد عن مسارها بشكل كامل.

الكثير من أعمالي في منطقة دول مجلس التعاون الخليجي لم يتعرض لحسن الحظ لاضطرابات ما سمي بالربيع العربي، ولكن منذ منتصف العام 2014 تشهد الأعمال هنا تراجعا بشكل أو بآخر نتيجة تهاوي أسعار النفط، هذه السلعة الاستراتيجية التي تعتمد عليها اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي وتشكل المورد الرئيسي بل وشبه الوحيد لميزانيات الإنفاق الحكومي.

في مملكة البحرين، مكان إقامتي الدائم، يواصل القطاع الخاص نموه بمعدل ثابت 3٪، لكن القطاع العام يعاني ضائقة مالية تسفر عن تداعيات غير مرغوبة، كما أن انخفاض عائدات النفط يزعزع الثقة لدى قطاع الأعمال ويؤدي إلى تراجع الاستثمار وركود في أسواق الأسهم.

انتقلت الأعمال من استراتيجية تحقيق النمو التراكمي إلى الاندماج، وباتت الأولوية الآن المحافظة على العملاء الحاليين، والمكاسرة للحصول على أي عميل جديد بأي سعر، وهذا ما يجعل استراتيجية مدتها خمس سنوات مكتوبة في العام 2013 عديمة المعنى أو الجدوى اليوم.

أقول من موقعي كرئيس لمجلس إدارة مجموعة بروموسفن القابضة ومالك لحصص شركات بجميع أنحاء المنطقة إن أحداث 2011 التخريبية بشكل خاص، ثم تفاقم في حالة سوريا وليبيا وغيرها، دفع بالشركات الإقليمية ببساطة لإغلاق مكاتبها في المنطقة والخروج منها، فيم حين بقيت الشركات المحلية تقاوم رغم أنها تكبدت الكثير الكثير من الخسائر.

من الصعوبة بمكان القيام بعملية تخطيط على المدى الطويل في بلد يمكن أن تستيقظ في الصباح لتجد نظاما سياسا جديدا ودستور وقوانين جديدة تغير بيئة ممارسة الأعمال التجارية والتحالفات والتوازنات في قطاع الأعمال بشكل كامل.

رغم ذلك أنا لا أعتقد أنه علينا ببساطة التخلي عن التخطيط على المدى الطويل ورمي استراتيجياتنا من النافذة، لكن ما هو الحل لبيئة الأعمال المرشحة للتقلب دائما؟

يجب علينا أن تتسم خططنا بالمرونة الشديدة، وأن نضع في اعتبارنا أنه من شبه المؤكد أن الأوضاع ستتغير خلال بضعة أشهر أو سنوات.

يجب أن نشرع في خطط العمل مع وضع أسوأ السيناريوهات في الاعتبار. في بيئة مواتية قد يبدو مشروع بناء ضخم مربحا للغاية، ولكن ما العمل إذا توقف المشروع بسبب التباطؤ الاقتصادي الحاد؟ أليس من الممكن أن تؤدي الصراعات الأهلية إلى تدني صافي قيمة الممتلكات إلى ما يقارب الصفر؟

ينبغي أن نولي اهتماما كبيرا لتكاليف المواد الأولية، فالمنتج النهائي القادر على المنافسة في الوقت الراهن لكن يتمكن من تحقيق هوامش ربح إذا كانت الحكومة ستمضي قدما في إصلاحات الدعم ورفع أسعار الطاقة.

في الشركة الإقليمية نحن بحاجة إلى أفكار واضحة حول ما هي الدول التي يجب أن نعزز استثماراتنا فيها، وتلك التي يجب أن خرج منها، هل نبقى مثلا على مكتبنا مفتوحا في دمشق بانتظار أن تتحسن الأمور أم من الحكمة إغلاقه وتقليل خسائرنا؟

رجل أعمال الناجح يجب أن يتابع عن كثب التطورات السياسية ويكون سريعا في تقييم العواقب، ليس مواجهة المخاطر فقط وإنما اقتناص الفرص أيضا، فماذا عن تحرير قطاع الاتصالات؟ أو قانون جديد بشأن معايير الأغذية، أو الخدمات المصرفية الإسلامية؟ وغير ذلك.

أقدم قانون يحكم بيئة الأعمال هو ضرورة تحول التحدي إلى فرصة، وهذا ينطبق على الشركات العاملة في مناطق تشهد عدم استقرار اقتصادي وسياسي.

تجري خطط مملكة البحرين والمملكة العربية السعودية الطموحة على قدم وساق من أجل تنويع مصادر الدخل بعيدا عن الاعتماد على النفط. ونشهد في البحرين مساعي كبيرة لجذب استثمارات ضخمة في قطاع البناء والسياحة والبنية التحتية وتحفيز القطاع المصرفي وتشجيع المستثمرين الأجانب.

وهذا يعني أن هناك فرصا جديدة لشركات القطاع الخاص لتحريك استراتيجياتها تجاه منافذ اقتصادية جديدة، فإذا كنا نعرف السوق المحلية، ونتقن تحفيز الموظفين، ولدينا سمعة قوية لن يكون من الصعب علينا اغتنام الفرص خارج مناطق راحتنا، بالنسبة لبعض الشركات هذا يمكن أن يكون الفرق بين الحياة والموت، وبعض الأبواب التجارية موصودا وبعضها الآخر مفتوحا.

المشقة في كثير من الأحيان تجلب المكافآت الخاصة بها، والشركات التي تبقى في السوق خلال الفترات الصعبة تكون الأوفر حظا في جني الأرباح عندما يستعيد الاقتصاد زخمه، لكن المطلوب من الأعمال التجارية في الظروف الصعبة خفض التكاليف وزيادة الكفاءة، ما يجعلها أكثر قدرة على الصمود والمنافسة.

أنا شخصيا لست مؤمنا بالخطط الخمسية، ولكني أؤمن بضرورة وجود أهداف واضحة على المدى القصير، وأهداف طويلة الأمد مرنة قادرة على التكيف مع ما هو غير متوقع.

بعد أن التهمت الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975 نجاحاتي التجارية الكبيرة خاصة في قطاع الإعلانات، وصلت مفلسا إلى الخليج العربي، وعملت فورا على تطبيق جميع الدروس التي تعلمتها لإعادة ترسيخ نفسي في بيئة عمل جديدة، وكان أن شرعت في رحلة أخرى من النجاح معتمدا على حدسي القوي وشغفي اللامحدود بالخيال الذي يدفعني لاقتناص كل فرصة جديدة حتى في بيئة أعمال ضحلة، في حين أن وضع خطة طويلة الأمد من شأنه تقييد الإنسان داخلها.

ربما تتحول كل خططنا إلى رماد غدا، ولكن إذا حافظنا على رغبتنا الجامحة بالنجاح فسنقوم ببساطة بنفض الغبار عن أنفسنا والبدء في وضع خطط جديدة أفضل.

بواسطة akmiknas

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s