كسب المعارك وخسارة الحرب

Mr. Akramربما نتساءل كيف ربح الاتحاد السوفيتي معظم معاركه في أفغانستان لكنه خسر الحرب في نهاية المطاف، كذلك ألقت الولايات المتحدة
قنابل على فيتنام خلال العام 1967 أكثر من كمية جميع القنابل التي ألقيت خلال الحرب العالمية الثانية، وقتلت نحو 1.5 مليون من سكان البلاد ودمرت نصف غاباتها المطيرة، وأنفقت في تلك الحرب أكثر من ملياري دولار شهريا ضد واحدة من أفقر أمم الأرض في أكثر حرب غير متكافئة في التاريخ، لكن الولايات المتحدة الأمريكية خسرت الحرب في النهاية لأسباب عدة من بينها أن استخدامها المفرط للقوة العسكرية أسهم في تعزيز وحدة الفيتناميين ضدها، وبعد عدة عقود عادت الولايات المتحدة الأمريكية لترتكب الخطأ نفسه تقريبا في العراق.

إن منطق “القوة هي الحق” يعلمنا أنه إذا كنت تملك قوة عسكرية كبيرة يمكنك كسب المعركة عبر استخدامك للقوة المفرطة، لكن ليس هناك من قوة مطلقة قادرة على الربح إلى ما لا نهاية، وكلما كسبت معارك أكثر كلما أثرت كراهية عدوك العنيد الذي لن يسامح ولن ينسى، كما تصبح استمرارية الحرب مكلفة جدا، ومدمرة جدا، وتحط من شعبية من يقف ورائها.

اسرائيل مثال تقليدي على ذلك، فعلى مدى عقود شنت قوات الاحتلال الاسرائيلي حروب استنزاف متواصلة ضد الفلسطينيين، فهل الفلسطينيون الآن مستعدون للاعتراف بالهزيمة كما لم يفعلوا طيلة السعبين عاما الماضية؟. بإمكان اسرائيل مواصلة أعمالها القمعية في الأراضي الفلسطينية المحتلة وضمان عدم مسائلتها قانونيا جراء تلك الأفعال لأنها واثقة تماما من حصولها المستمر على مليارات الدولارات من المساعدات العسكرية الأمريكية، ولكن ما الذي سيحدث لو توقف هذا الدعم الأمريكي الهائل لها بعد خمس أو عشر أو حتى خمسين سنة؟!.

إن تبديل اسرائيل لسياستها القائمة على بذل مساعي حثيثة لسحق الفلسطينيين اقتصاديا وعسكريا ودبلوماسيا  وجعل حياتهم بائسة إلى أقصى حد، يمكن لها ولوج طريق آخر عبر إعطاء الفلسطينيين حقوقا متساوية وتطوير مناطقهم اقتصاديا، بما يعطيهم ولو بصيص من الأمل بغد أفضل.

وعندما ننظر الآن إلى الصراعات الجارية من حولنا، في سوريا وليبيا وأفغانستان، تقودنا غريزتنا إلى الحسم بأن النصر سيكون حليفا لمن يكسب معارك أكثر، لكن التاريخ علمنا أن هذا الحكم غير صحيح البتة، ولطالما كانت الأطراف الأقوى عسكريا في الصراع هي الخاسرة للحرب على المدى الطويل.

الوقت يقف دائما إلى جانب المظلومين لأنهم يعايشون فظائع مرعبة لم يعودوا يملكون معها شيئا ليخسروه، وليس لديهم أمل بأنهم سيرون العدالة تتحقق يوما، فمن منا يستطيع أن يتخيل أن الشعب السوري سيعود يوما ما للعيش بسلام تحت حكم بشار الأسد بعد كل ما عاناه هذا الشعب من قتل وحصار وتشريد على يد نظامه على مدى السنوات الخمس الماضية؟

الفيلسوف الهولندي سبينوزا يعتقد أن البشر لديهم محرك أساسي لزيادة قوتهم، ومع ذلك، يعتقد الناس الحمقى أن قوة المنطق ومنطق القوة هو شيء واحد، ولذلك فهم يسعون دائما إلى زيادة قوتهم من خلال استخدام العنف المفرط ضد الآخرين، فيما هم يستنزفون طاقاتهم في مواجهة لا طائل منها ولا نهاية لها.

بالنسبة لسبينوزا فإن القوة الحقيقية هي عكس “القوة الغاشمة”، والسلطة تعني “الخير” و”الفضيلة”، ونحن لا نصبح أقوياء أكثر من خلال ممارسة القوة على الآخرين، وإنما بكسب احترامهم وتضامنهم، ومما قاله في هذا الشأن “السلام ليس غياب الحرب، وإنما هو سيادة الفضيلة والخير والثقة والعدالة”، فنحن نكون في أقوى حالتنا عندما يرغب الجميع بأن يكونوا حلفائنا.

في تسعينيات القرن الفائت سعت المملكة العربية السعودية لزيادة نفوذها في لبنان، لكنها لم تلجأ لذلك باستخدام قوتها العسكرية الهائلة، وإنما شرعت في برنامج ضخم للاستثمار والتنمية، وأعادت بناء هذا البلد العربي الذي مزقته الحرب الأهلية، وعاش لبنان واحدة من مراحله الأكثر ازدهارا وإيجابية.

كثيرا ما نسمع أن الدول الغربية الغنية تشكو من عدم توفر ما يكفي من المال لديها لتمويل مشاريع التنمية في الخارج، لكنها تجد نفسها -برضاها أو مرغمة- تنفق أموالا طائلة على التدخل العسكري في الدول الأخرى أو تحمل نفقات نتائج الحروب في تلك الدول من مساعدات إنسانية وإغاثية وقضايا لجوء وغيرها، ألم تكن الوقاية من هذه الحروب أرخص بمئة مرة من تكلفة علاج نتائجها؟

لقد كانت الإمبراطوريات التي تفضل التجارة على الصراع توصف في بعض الأحيان بالجبن، لكن نحن ننسى أن العديد من الإمبراطوريات التجارية مثل الفينيقيين ازدهرت لأكثر من ألف سنة، في حين نشأت ممالك حرب أخرى وانهارت في غضون بضعة عقود.

وأنا شخصيا أتمنى أن نولي المزيد من الاهتمام عبر الدراسة والبحث لمعاملات البحرين التجارية خلال قرابة خمسة آلاف سنة من الحضارة، منذ أن كانت هذه الأرض في عهد دلمون مركزا تجاريا إقليميا ونقطة التقاء لجميع الحضارات العظيمة. ربما سيأتي وقت تحظى فيه انجازات البحرين التاريخية بمكانتها من الاهتمام اللازم، ويجري توثيق وترويج كيف عاملت البحرين جيرانها على الدوام وفق مبادئ المساواة والاحترام المتبادل وتكريس الازدهار من خلال التجارة وتبادل المعرفة.

إذا تمكنا من تعريف شبابنا أكثر بالشخصيات العظيمة والإمبراطوريات والحضارات التي استخدمت سلطاتها بطرق بناءة فسيكبرون ويدركون أن السلطة والقوة والعنف مفاهيم مختلفة تماما عن بعضها البعض.

بواسطة akmiknas

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s