الجار قبل الدار

IMG-20160102-WA0023اعتدت دائما أن أجلس مع نفسي ساعة في نهاية كل عام، أفكر ملياً في مجريات عام مضى وأتطلع إلى العام القادم، وما تحقق من نجاحات وفشل، واستقي الدروس والعبر القيمة للاستفادة منها في العام الجديد، ليس على الصعيد الشخصي فقط، وإنما على صعيد الأوضاع العامة ككل أيضا.

إن النظر إلى الوراء في الأحداث المؤلمة التي تفاقمت في المنطقة على مدى الاثني عشر شهرا الماضية يعطيني فهما متجددا للمثل العربي القائل “الجار قبل الدار”.

لا يمكن لنا أبدا أن نطمأن في أوطاننا فيما نجد أن جيراننا يعانون، ولا يمكن أبدا غض الطرف عن معاناتهم، والعيش دون اكتراث بهم يعني أن نفوسنا مريضة بائسة عديمة الإنسانية.

إضافة إلى البعد الإنساني، هناك بعد برغماتي أيضا، يرتب علينا أخذ الحيطة والحذر وعمل ما في وسعنا لتجنب توسع دائرة المعاناة في المنطقة وتطاير شررها إلى داخل بلدنا. إن الدرس الأساسي في العام 2015 هو أنه عندما نرى هؤلاء اللاجئين السوريين المعذبين والفارين إلى تركيا وأوربا ودول أخرى يجب أن نعترف بنعمة الله علينا أننا آمنون في بيوتنا نحتفل بطمأننية مع عائلاتنا، ولسنا فارين من أهوال لا يمكن تصورها ونحن نحمل على ظهورنا ما في وسعنا حمله من بيوتنا وذكرياتنا.

نحن في هذه المنطقة من العالم نكبر وقد زرع في أذهاننا نزاعات لن تنتهي إلا بالنصر مبين أو الموت –موتنا طبعا-ـ، ولكن عندما ننظر إلى سوريا والعراق واليمن فهل سوريا هي الفائز؟ هل إيران أو حزب الله أو تركيا؟ ماذا عن الجزارين والقتلة من داعش؟ هل أوباما أو حلفائه الغربيين هم الفائزين؟ ماذا عن إسرائيل؟ هل فازوا بالسلام الذي يقولون إنهم ينشدونه في دساتيرهم ومبادئهم وجميع مخططاتهم؟.

أنا لن أسأل عن الدول العربية التي تأتي لا محالة حتى الآن في أسفل قائمة الخاسرين في هذه الصراعات، حتى بات السؤال عن النصر وكأنه مجرد نكتة سمجة.

عدم جدوى هذه الصراعات يبرهن لنا أننا نحاول عبثا استخراج نتائج من معادلة صفرية. في عام 2015 لم يكن هناك أي الفائزين، بل كان السؤوال الأدق هو عن الطرف الأقل خسارة.

هذا هو السبب في أننا يجب أن يعود إلى مقولة “الجار قبل الدار”، وعندما ننظر إلى الوراء في الصراعات خلال القرن الماضي نجد أن الأبطال الوحيدين الجديرين بالاحترام هم أشخاص مثل غاندي ونيلسون مانديلا، لأنهم رفضوا منطق الصراع، ورفضوا الانجرار إلى مواجهات عنيفة يكون فيها الفائزين الوحيدين هم تجار السلاح والموت.

اشعر بالاحباط والحزن لرؤية المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي قد دخلت في النزاع الذي أعتقد أنهم لا يريدونه أبدا، خاصة وأن الآفاق المستقبلية لحرب اليمن أكثر قتامة من تلك التي في سوريا والعراق. ومع ذلك، يجب علينا أيضا أن ندرك أن التحالف الخليجي كان ضروريا بل وحتميا لإنقاذ اليمن وتثبيت الشرعية وهزيمة المشروع الساعي إلى إخراج اليمن من محيطه الخليجي والعربي.

في نهاية العام 2015، يجب على جميع الدول المتورطة في هذه الصراعات المتشعبة أن تلقي نظرة فاحصة عميقة على المأزق الذي نحن فيه، وأن تدرك أنه ما من مكاسب يمكن الحصول عليها عبر الاستمرار في شن هذه الصراعات العقيمة. نحن نخسر في كل شيء وسوف تصبح خسائرنا أكثر إيلاما إذا لم نسعى إلى إطفاء نار هذه النزاعات.

رسالتي لعائلتي، وأقربائي والمنطقة وأمتي في هذا الوقت هي أننا مجبرون على العمل معا لمواجهة التحديات السياسية والاقتصادية التي تعصف بنا، وأرجو أن نكون قد تعلمنا الدرس هذه المرة حول أنه يجب علينا العمل معا والادخار والاستثمار وإعداد أنفسنا جيدا خلال الأوقات الجيدة حتى نتمكن من تجاوز الأوقات العصيبة.

إن الأديان السماوية العظيمة تعلمنا أن جيراننا ليسوا فقط أولئك الذين يعيشون في البيوت المجاورة لنا، بل إن جيراننا الحقيقيين هم البشرية جمعاء بمختلف أممها الإنسانية، وعندما تعاني تلك الأمم- بما في ذلك شعوب الدول التي نعتبرها أعدائنا – فنحن نعاني جميعا، وعندما تزدهر فإن هذا الازدهار ينعكس إيجابا علينا، والعكس صحيح، وهذه حقيقة يجب أن يفهمها الجميع بمن فيهم قادة الدول الطامعة بنا والتي تناصبنا العداء.

لنأمل أن تكون 2016 سنة يتحلى فيها الجميع بمزيد من الحكمة التي تمكننا من تعزيز استقرارنا ورفاهيتنا نحن وجيع جيراننا.

بواسطة akmiknas

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s