دعاة الكراهية

trumpواحد من أوائل الأشياء التي يتعلمها الطفل في دورس الفيزياء هو أن لكل فعل رد فعل يساويه بالمقدار ويعاكسه بالاتجاه.

لكن التاريخ والسياسة يعلمانا أن كل فعل عادة ما يثير ردود فعل أقوى، لننظر مثلا إلى تفاعلات حادثة أسقاط انقرة للطائرة الروسية التي اخترقت الأجواء التركية، وكيف تفاقمت تداعيات هذه الحادثة الصغيرة نسبيا حتى وصلت إلى حد التلويح بحرب واسعة بين البلدين القويين، وهو أمر سيضر في نهاية المطاف كلاهما.

لقد بلغ الأمر بفعل ظهور وتمدد داعش “الشرق أوسطية” إلى رد فعل وصل إلى حد ظهور “داعش الأمريكية” متمثلةً في مرشح الرئاسة الأميريكي دونالد ترامب. داعش الأمريكية هذه تسعى لدخول البيت الأبيض من خلال خطابات صادمة متطرفة عنصرية غير مسبوقة.

يبدو أن ترامب قد تعلم الكثير من داعش، فقد علمتنا داعش أن العنف يتغذى ويستعر فقط عندما ينجح في إثارة ردود فعل متصاعدة يوميا بعد يوم وأسبوعا بعد أسبوع، فهي تبدأ بقطع رأس شخص واحد، ثم قطع رأس عشرة أشخاص، ثم رمي الناس من المباني، أو تفجيرها بقذيفة آر بي جي، أو حرقها أو شيِّها داخل أقفاص، وكل ذلك يجري تصويره بعناية فائقة ومؤثرات سينمائية تضاعف من أثره وهوله.

هذه هي طريقة ترامب، لقد بدأ مع بعض التعليقات المسيئة عن المهاجرين، ثم دعا لاستبعاد اللاجئين السوريين، ثم طالب بمحاسبة جميع المسلمين على الأعمال الإرهابية، ثم وصل به الأمر للدعوة إلى منع المسلمين إلى من دخول أمريكا، ويمكننا تخمين ما قد ينجم عن أفكاره وخياله الخصب من دعوات أخرى من أجل مواصلة جذب انتباه الرأي العام طيلة مشوراه الحلم إلى سدة البيت الأبيض.

كيف ينبغي لنا أن نفهم استراتيجية ترامب؟ إما أن نعتقد أنه رجل ذكي جدا وأنه يفهم بدقة عواقب كلماته المغلفة بالسخرية لكي يكسب أصوات جزء من الأمريكيين غير القادرين على التمييز الأفضل لبلدهم، أو أننا نخلص إلى أن ترامب لا يعي خطورة ما يقوله ويعتقد مخلصا أن مقترحاته جيدة لأمريكا.

ترامب هو أفضل ما يمكن أن تحصل عليه داعش حتى الآن حتى وإن لم يجري انتخابه، فهو قد سمح لداعش الادعاء أن أمريكا معادية للمسلمين وتستحق محاربتها، وداعش بفعل خبراتها الدعائية لا يمكن أن تحلم بأداة لتجنيد الشباب أفضل من السيد ترامب. دونالد ترامب يجعل العالم مكانا أكثر خطورة ويجعل الهجمات ضد الأمريكيين أمرا أكثر احتمالا.

لا بد هنا من أن نشير للسيد ترامب أن استطلاعات الرأي المتكررة أثبت أكثر من 95% من المسلمين في معظم الدول ذات الأغلبية المسلمة ليس لديها أي تعاطف على الإطلاق مع داعش، وهذا يعني أن داعش لا يمثل المسلمين.

إن التطرف مثل مرض السرطان الذي يصيب خلايا معينة في مناطق محددة من الجسم، وعلاجه يكون بإزالة الخلايا السرطانية فقط من خلال عملية جراحية دقيقة، لا أن يتم إلقاء قنبلة عليها لقتلها، وهذا ما يفعله ترامب من خلال خطاباته.

في السباق الانتخابي المحموم إلى البيت الأبيض تمكن ترامب من تلميع اسمه من خلال إعلانه أن المسلمين والمهاجرين هم العدو. إنه يريد من ذلك أن يحشد خلفه الأمريكيين الخائفين من التطرف والحريصين على الأمن الوطني، ذلك رغم أن العلاج الذي يقترحه أسوأ بكثير من المرض نفسه.

يحدث هذا مع الأسف في أجزاء كثيرة من أوروبا أيضا، حيث يحاول اليمين المتطرف إظهار ضحايا همجية وبراميل بشار الأسد من اللاجئين السوريين على أنهم عدو يهدد الأمن الوطني، ذلك بدل التعاطف مع مأساتهم.

“The Grapes of Wrath”  أو “عناقيد الغضب” التي كتبها جون شتاينبك هي واحدة من أعظم روايات القرن العشرين، تحكي قصة عائلة أمريكية من بين آلاف عائلات المزارعين الأميركيين الذين أجبروا خلال فترة الكساد العظيم في العام 1930 على ترك أراضيهم واللجوء إلى أراضي خصبة في ولاية كاليفورنيا، لكن وبدلا من حصولهم على الدعم والتعاطف، استقبلهم أمريكيون آخرون بعين الريبة والعداء وجرى استغلالهم في أعمال السخرة، وكثير منهم توفي بسبب المرض والجوع.

أعتقد أنه ينبغي تدريس هذه الرواية بشكل إلزامي لكل طفل وشاب أمريكي، ولدونالد ترامب نفسه، ولا يهم ما إذا كان أولئك الذين يلجأون إلينا في وقت الحاجة هم من أبناء وطننا أو ديننا أو أنهم أتوا من أماكن بعيدة، فنحن جميعا أبناء إنسانية واحدة وعلينا بذل كل ما في وسعنا من دعم ومساعدة.

إذا هزم ترامب انتخابيا أو هزمت داعش عسكريا، فستسمر المأساة مع ظهور عشرات النسخ من ترامب أو داعش مستقبلا ما لم نتمكن من معالجة الجهل والتعصب بنجاح والذين يوفران المدد لهؤلاء الديماغوجيين دعاة الكراهية.

إن ظهور هؤلاء المتطرفين هو عرض من أعراض المرض الأساسي في مجتمعاتنا، وهناك مسؤولية علينا جميعا في الترويج للجانب الإنساني لدينا وإظهار المحبة والتسامح لعلاج هذه السرطانات من جذورها.

بواسطة akmiknas

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s