في العمل – ولكنه لا يعمل!

STAFF__boxيؤلمني أن أقول هذا، ولكن في كثير من الأحيان عندما أتطلع لتوظيف موظفين ذوي كفاءات عالية، أجد نفسي مضطر للبحث عنهم خارج
دول مجلس التعاون الخليجي والوطن العربي.

أنا هنا لا أتحدث عن الكم، فهناك أعداد كبيرة من الشباب البحرينيين والخليجيين والعرب يحملون طيفا واسعا من المؤهلات ويملأون سوق العمل.

لكن لماذا بعد أن أرى هذا العدد الكبير من المرشحين لشغل وظيفة ما، ولديهم المؤهلات الأكاديمية المناسبة، أجدهم ببساطة غير صالحين للعمل؟

 

يمكن تبسيط هذه المسألة بالقول إن جذور المسألة تمتد إلى عدم امتلاك المرشحين للوظيفة لأخلاقيات العمل، وشغف قيامهم بعملهم قدر استطاعتهم، واستعدادهم للتعلم وتطوير ذواتهم، وإدراكهم أن إثباتهم لذواتم ونجاحهم في مهامهم يترتب عليه مكافأة وترقية وتطور.

في مرات عديدة اخترت توظيف أفراد لا يملكون كل المؤهلات والخبرات اللازمة، ولكن هذا لا يهم أمام شغفهم بالعمل وتسخيرهم كل طاقاتهم لإنجاح مهامهم واستعدادهم الدائم للتعلم وروحهم المعنوية العالية وقدرتهم على الانتاجية.

وفي كثير من الأحيان، تدل السيرة الذاتية للمرشحين على أنهم مناسبين تماما للوظيفة المطلوبة، ولكن في لحظة مقابلتهم تظهر أنهم غير جاهزين حقيقة للقيام بأي عمل.

وفي عدة مناسبات، يقول لي الموظف البحريني أو العربي إنه لا يجب توظيف أجنبي في حال توفر عربي لشغل الوظيفة، لكنه، وبعد أن يحظى بالوظيفة، يطالب فورا باستبدال الموظفين البحرينيين أو العرب تحت إدارته بموظفين أجانب للقيام بمهام بسيطة مثل التواصل مثل كتابة التقارير أو التواصل مع وسائل الإعلام!.

يقف المرشح للوظيفة أمامك ويقول لك إنه كفؤ للوظيفة وسيكون مخلصا، ولكن ما قيمة الولاء إذا لم يكن لديه أي نية للإنتاج؟

إن عدم إخلاص موظف واحد للعمل ينشر العدوى لدى الجميع الذين سيسألون أنفسهم: ما هي جدوى عملي وجهدي إذا كان سيتم نسبه ومصادرته من شخص آخر؟

للأسف، تبدو هذه المشكلة أسوأ بكثير في القطاع العام، حيث يبحث الموظفون هناك عن الآمان الوظفي بالدرجة الأولى، وهم ليسوا على استعداد للعمل في خدمة لبلدهم، لأنهم ببساطة يعتقدون أن لديهم حق مكتسب في أن توفر الحكومة وظيفة لهم.

ولا شك أننا جميعا ندرك المعاناة في التعامل مع كثير من الإدارات الحكومية حيث يجلس الموظفين في مكاتبهم يحدقون في السماء أو يتصفحون تطبيقات التسلية والألعاب في هواتفهم، وفي بيئة العمل هذه تجد أنه حتى أولئك الذين يرغبون في العمل بسرعة يستحيل أن يكونوا فاعلين ومنتجين، لأن رتم ثقافة العمل السائدة بيطئ جدا.

بالنسبة للكثيرين منا من الصعب أن نتصور أي شيء أكثر وإحباطا من الجلوس في مكتب كل يوم نفعل الشيء ذاته بشكل روتيني، ومع ذلك يسود اعتقاد بين كثير من الناس حول أن الوظيفة الأفضل هي الوظيفة التي لا تتطلب القيام بأي انتاج.

في العديد من دول الخليج العربي برزت هذه العقلية مع الأسف في أعقاب الطفرة النفطية، وكان التحدي الرئيسي للحكومات توفير وظائف للأعداد الكبيرة الوافدة إلى سوق العمل، وكانت النتيجة طرح وظائف وهمية يشغلها أشخاص ليس لديهم نية للقيام بأي عمل.

نحن، هنا في البحرين، ندرك أن المواطن البحريني أحق بالوظيفة من الأجنبي، ولكن في الوقت نفسه علينا أن نوضح ما هي الوظيفة التي نتحدث عنها، وهل هي لائقة بالبحريني، ولذلك نحضر عمالا آسيويين لإصلاح شوارعنا وتجميل حدائقنا وتنظيف بيوتنا وتقديم البيتزا لنا، لأننا ببساطة لا نرغب في أن تتسخ يدينا!.

يحدث هذا بالتوازي مع قرب حلول “حقبة ما بعد النفط”، عندها سيعتمد دخلنا الوطني على الحالة الصحية للقطاع الخاص وطاقات المواطنين، لذلك نحن بحاجة إلى إعداد شبابنا أفضل للواقع الصعب لهذه المرحلة، والنجاح لدينا يعتمد على أخلاقيات العمل، واستعدادنا لنشمر عن سواعدنا وشغل مختلف أنواع الوظائف، والعمل من أجل تحقيق الصالح العام لازدهار أمتنا.

بالطبع يمكننا كبحرينيين القيام بالأعمال التي يقوم بها الآسييين أو الأوربيين، والمسألة هنا ليست مسألة رواتب، ولكن يعتمد هذا على تربية الناشئة في المنزل والمدرسة على تقبل خدمة وطنهم بنشاط، وتقبل مختلف أنواع الأعمال.

لدينا الحق في أن ننتظر من الحكومة أن تقدم لنا خدمات عالية الجودة، ومع ذلك، لا ينبغي أن نجلس وننتظر من الحكومة أن توفر لنا كل شيء، بما في ذلك وظيفة مضمونة مدى الحياة.

ربما يكون لعدم وقوع البحرين في براثن الغنى الفاحش الناجم عن بحور النفط التي يسبح فوقها أشقائنا في دول الخليج العربي الأخرى جانب إيجابي، وهو ارتفاع نسبة المواطنين الذين يعتمدون على أنفسهم أو يقبلون القيام بوظائف صعبة مقابل أجور ليست مرتفعة، وهم قادرون على تخطيط اقتصاديات عائلتهم وتدبير أمورهم معيشتهم بطريقة أفضل بكثير من مواطني دول الخليج الأخرى، لكن هذا لا يعنني أننا تحررنا بشكل كامل أو حتى جزئي من تشوهات مصادر دخل الاقتصاد الوطني.

أنا أنظر باحترام إلى نهج صندوق العمل “تمكين” الذي يرفض دائما دعوات اشتراط تقديم الدعم للمؤسسات بتوظيفها لمواطنين بحرينيين، أو اعتبار ارتفاع نسبة البحرنة لدى الشركة من ضمن معايير حصولها على الدعم المادي المقدم من “تمكين”، لكن في نفس الوقت تقوم “تمكين” بدعم برامج تدريب وتأهيل المواطنين البحرينيين وتمكينهم من دخول سوق العمل أو إطلاق مشاريعهم الخاصة، وذلك وفق مبدأ “لا تعطه سمكاً بل علمه كيف يصطاد”.

الدولة الريعية لا تنتج سوى المواطنين الضعفاء الذين لا يستطيعون فعل أي شيء لأنفسهم، لذلك يجب لترسيخ ثقافة الاعتماد على الذات والرغبة في الإنجاز.

دعونا لا نخدع أنفسنا، إذا كنا نحن الشعب الأكثر كفاءة والأكثر استعدادا للقيام بالعمل فإنه يجب ألا يكون هناك أجانب قادرين على منافستنا.

*رئيس مجلس إدارة شركة بروموسيفن القابضة

بواسطة akmiknas

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s